ولمن لا يعرف عبد العزيز بناني، فهو واحد من الجيل الذي نقل العمل الحقوقي المغربي من دائرة النضال والاحتجاج وحدهما إلى بناء المؤسسات والمرجعيات وآليات الحقيقة والإنصاف والمصالحة.
لكن السؤال الذي رافقني بعد الجنازة لم يكن لماذا لم يحضروا؟بل متى بدأوا في الغياب؟
فالإنسان لا يدخل النسيان يوم يموت. أحيانا يبدأ موته الاجتماعي قبل موته البيولوجي بسنوات، منذ اللحظة التي يغادر فيها منصبا، أو يتقاعد، أو ينسحب من حزب أو جمعية، أو يبتعد عن مؤسسة، أو يقل ظهوره في الإعلام، أو تتراجع قدرته على التأثير في حياة الآخرين.
وفي الذاكرة الشعبية المغربية حكاية تختصر كتبا في علم الاجتماع. يقال إن زوجة أحد القياد توفيت، فتقاطر الناس من كل الدواوير للتعزية، يحملون الهدايا ويعبرون عن المواساة للقايد . وبعد سنوات توفي القايد نفسه، فلم يحضر إلا القليل.
لا تحتاج الحكاية إلى تعليق.
وتذكرت معها ايضا قصة «المسخ» لفرانس كافكا. كثيرا ما نقرأ الرواية باعتبارها قصة رجل استيقظ ذات صباح فوجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة. لكن المأساة الأعمق ليست في التحول الجسدي لغريغور سامسا، وإنما في التحول الاجتماعي الذي أعقبه. كان قبل ذلك ابنا ضروريا، يعمل ويسدد ديون أسرته ويضمن معيشتها. وحين فقد القدرة على العمل، لم يفقد راتبه فقط؛ بدأ يفقد مكانه داخل الأسرة، ثم حقه في الاهتمام، ثم، بالتدريج، الاعتراف بإنسانيته.
وهنا تكمن قسوة كافكا: ماذا يبقى من الإنسان عندما يصبح غير نافع؟
السؤال يتجاوز الأدب إلى ما تسميه الفلسفة والعلوم الاجتماعية بـ«الاعتراف». فالإنسان لا يحتاج فقط إلى حقوق تحميه أو موارد تضمن عيشه، بل يحتاج أيضا إلى أن يعترف الآخرون بوجوده وقيمته ومكانته داخل الجماعة. والمجتمعات لا تقاس فقط بما تمنحه لمن هم في قلب السلطة والإنتاج والتأثير، بل أيضا بالطريقة التي تعامل بها من خرجوا من دوائر المنفعة.
لدينا، في المقابل، ميل إلى ربط الاعتراف بالدور.
المسؤول مهم ما دام في منصبه، والأستاذ مرجع ما دام في الجامعة، والسياسي حاضر ما دام في القيادة، والمثقف مطلوب ما دام يكتب، والمناضل محاط برفاقه ما دام في قلب المعركة. ثم يبدأ نوع من التجريد البطيء: يغادر المكتب فتقل الاتصالات، يبتعد عن المنابر فتقل الدعوات، يمرض فتقل الزيارات، ويطول الغياب فيصبح الاسم شيئا فشيئا جزءا من الماضي.
لا يحدث ذلك بقرار. وهذه هي خطورته.
إنه نسيان اجتماعي يحدث بالتقسيط.
ولعل هذا ما يجعل بعض الجنازات كاشفة. ليس لأنها تقيس قيمة الميت بعدد المشيعين، وإنما لأنها تكشف أحيانا أن الغياب عن الرجل لم يبدأ يوم دفنه.
قبل أسابيع كذلك رحل بفاس الدكتور محمد السرغيني، وأثارت جنازته الباهتة السؤال نفسه. ولمن لا يعرف السرغيني، فهو واحد من الجيل الذي أسس للحداثة الشعرية المغربية، وجعل من القصيدة فضاء يلتقي فيه الشعر بالفكر والمعرفة، وأسهم، أستاذا وشاعرا، في تكوين أجيال من المبدعين والباحثين.
رجلان مختلفان، ومساران مختلفان: واحد من عالم حقوق الإنسان، والآخر من عالم الشعر والجامعة. لكن جنازتيهما تضعاننا أمام السؤال نفسه: ماذا يحدث للإنسان عندما يتراجع دوره في المجال العام؟
لا أريد محاكمة الغائبين. لكل إنسان ظروفه. ولا أريد تحويل الجنازات إلى استفتاء على شعبية الموتى. ما يعنيني أبعد من ذلك: هل بنينا ثقافة تحفظ للإنسان قيمته بعد أن يفقد وظيفته الاجتماعية؟
فالاعتراف بعد الموت سهل. الموتى لا ينافسون أحدا، ولا يختلفون معنا، ولا يطالبون بشيء. نستطيع أن نصفهم بالكبار والرواد والقامات، وأن ننشر صورهم القديمة ونستعيد مواقفهم.
الأصعب هو الاعتراف بهم عندما يصبحون خارج الضوء.
أن يبقى الأستاذ أستاذا بعد التقاعد، والمناضل جزءا من الذاكرة بعد مغادرة التنظيم، والمسؤول صديقا بعد فقدان السلطة، والمثقف حاضرا بعد أن يقل إنتاجه، والإنسان محتفظا بقيمته حتى عندما لا يعود يملك موقعا أو سلطة أو منفعة.
ربما لهذا بقيت حكاية القايد في الذاكرة الشعبية، ورواية كافكا «المسخ».
الأولى قالها بسخرية أهل البادية، والثانية قالها بقلق الأدب الحديث، لكنهما وضعتا اليد على السؤال نفسه:
ماذا يبقى من قيمة الإنسان في أعيننا، حين لا يعود يملك شيئا نحتاجه منه؟
وبين ما يقال وما لا يقال فالراحل لا يحتاج إلى حضورنا لكي تكتمل قيمته.
بل نحن الذين نحتاج إلى الحضور، حتى لا ينقص شيء من إنسانيتنا.






