"" نحتاج إلى ذلك التمرين الذي يمكننا من خلاله تبني وجهة نظر الآخر بغية تحقيق ما يسميه جان بياجي " زحزحة تدريجية للأنا عن المركز ، وبالمرة إزاحة للذات المتمركزة حول ذاتها ، ومن تمة التخلي عن تلك النظرة المركزية في تعامل الفهم مع العالم القائم ""
يورغن هابرماس / إتيقا المناقشة ومسألة الحقيقة .
لا أعرف متى أصبح السؤال تهمة ، كنت أظن أن السؤال بداية التفكير، فإذا بي أتردد قبل أن أسأل ماذا لو كان الطريق الذي نسلكه لا يوصلنا إلى حيث نريد؟ ثم أتراجع، ليس خوفاً من الجواب، بل من السؤال نفسه. ماذا سيفهم منه الزملاء؟ هل سيقال إنني أبحث عن مخرج لأنني تعبت؟ أم إنني أهيئ النفوس للتراجع؟ أم إنني أصبحت أرى في الحوار خلاصاً بعدما كنت أراه مجرد وسيلة؟ وكيف أشرح أن تغيير الوسيلة لا يعني بالضرورة تغيير الغاية، وأن مراجعة التقدير ليست اعتذاراً عن الموقف السابق، بل قد تكون هي عين المسؤولية حين تتغير الوقائع؟
غريب أمرنا. نطالب الآخر بأن يسمعنا، لكن هل نسمع بعضنا؟ نطلب منه أن يعترف بمخاوفنا، لكن هل نستطيع نحن أن نسمي مخاوفنا من دون أن نتهم بعضنا بالوهن؟ أشعر أحياناً أن أكثر ما نخاف منه لم يعد فقط ما يفعله خصمنا المفترض، بل ما قد يقوله عنا أقرب الناس إلينا إذا اقترحنا تغيير الوسيلة مع الاحتفاظ بالغاية؛ هل يمكنني أن أقول إن الغضب مشروع، ثم أسأل عن مردوديته، من دون أن أُتهم بمحاولة تبريده؟ هل يمكنني أن أقول إن التوقف صنع قوة، ثم أسأل: ماذا سنفعل بهذه القوة، من دون أن يبدو السؤال إعلاناً عن نهاية التوقف الشامل ؟ وهل يجوز أصلاً أن نسأل عن النهاية، أم أن مجرد التفكير في مآل الوسيلة صار يُقرأ باعتباره رغبة في التخلص منها؟
هذه هي الورطة ! لقد تعلمنا من تقنيات التفاوض أن نسمي خوف الطرف الآخر حتى نحرره قليلاً من سلطته عليه، لكن ماذا عن خوفنا نحن؟ لنسمّه إذن. نحن نخشى أن يصبح الحوار مرادفاً للتراجع، وأن تتحول المرونة إلى شبهة، وأن يُفهم البحث عن التسوية باعتباره بحثاً عن النجاة الفردية، ونخشى، ربما أكثر من ذلك كله، أن يسبقنا الاتهام إلى الكلام فنصمت قبل أن نتكلم.
لكن أليست هذه أيضاً مشكلة تفاوضية؟ إذا أصبح كل سؤال عن البديل مدعاة للريبة، فكيف سنصنع البديل؟ وإذا كان من يقترح تعديل التكتيك مطالباً أولاً بإثبات براءته، فمن سيجرؤ على اقتراح أي شيء؟ وهل يمكن لجسم مهني أن يفاوض خصومه بحرية بينما أفراده يتوجسون من التفاوض فيما بينهم؟
أحاول أن أطبق على أنفسنا ما نقوله عن التفاوض مع الآخرين ، أبدأ بالتسمية العاطفية مثلاً، فأقول: «يبدو أن هناك خوفاً حقيقياً من أن يُستعمل الحوار لتفكيك ما صنعه الاحتجاج»؛ ثم أتوقف وأسأل نفسي: هل قلت شيئاً خطيراً؟ لا، لقد سمّيت خوفاً فقط، ولم أقل إن الخوف صحيح أو خاطئ. ثم أسأل: كيف نحمي قوة الاحتجاج إذا قررنا التفاوض؟ وسرعان ما يأتيني صوت داخلي آخر: انتبه، قد يفهمون من السؤال أنك حسمت في ضرورة التفاوض ، فأعيد صياغته: وكيف نستطيع تحقيق التعديل إذا قررنا ألا نتفاوض؟ فأرتبك أكثر، لأن السؤال الثاني قد يبدو استفزازاً للرافضين ؛ فأي سؤال بقي لنا إذن؟ هل أصبح علينا أن نختار الأسئلة التي لا تزعج أحداً؟ ولكن أي تفكير هذا الذي تبدأ فيه الإجابات قبل أن يُسمح للأسئلة بالوجود؟
وربما كان علينا أن نجرب مع أنفسنا تلك الأسئلة التي نريد استعمالها مع الطرف المقابل: كيف يُفترض بنا أن نحافظ إلى ما لا نهاية على الوسيلة نفسها إذا تغيرت شروط المعركة؟ وكيف يُفترض بنا، في المقابل، أن نذهب إلى الحوار من دون ضمانات تحمي الرصيد الذي صنعه الاحتجاج؟ ماذا نفعل إذا كان استمرار الضغط ضرورياً، لكن استمراره بالصورة نفسها قد يصبح مكلفاً؟ وماذا نفعل إذا كان التفاوض ضرورياً، لكن الدخول إليه بلا قوة قد يحوله إلى مجرد استماع لما تقرر سلفاً؟ أليست هذه الأسئلة أجدى من توزيع الشهادات بين «متشدد» و«متخاذل»، وبين «صامد» و«مساوم»؟
ثم أفكر في الطرف الآخر. أليس هو أيضاً محاصراً، ولو بطريقة مختلفة؟ وزير، حكومة، أغلبية، إدارة، مؤسسات ساهمت بدرجات متفاوتة في صناعة النص ومساره… من يستطيع منهم أن يعود ببساطة ويقول: أخطأنا؟ ربما لا يستطيع، وربما كان من العبث أن نبني استراتيجيتنا كلها على انتظار اعتراف لن يأتي؛ فهل نستطيع أن نصنع له ممراً إلى الاستدراك من دون أن نمنحه صك براءة؟ أتردد حتى في كتابة هذه الجملة: «نصنع له ممراً». سيقول قائل: ولماذا نهتم بمخرجه؟ فليتحمل مسؤولية ما صنع. نعم، ليتحملها، لكنني لا أبحث عن راحته؛ أنا أبحث عن مخرج لنا ! فإذا كان ممكناً أن نعيد بعض التوازن إلى النص، وأن نسترد بعض ما فقدناه، وأن نفتح إمكان تعديل ما تعذر تعديله، فهل يصبح حفظ ماء وجه الطرف الآخر تنازلاً منا، أم مجرد كلفة تكتيكية لمكسب أكبر؟
ثم أخاف من السؤال مرة أخرى، لأننا تعودنا، ربما، أن نفكر في النتائج بلغة المنتصر والمهزوم: مَن تراجع؟ مَن صمد؟ مَن كسر مَن؟ من خرج غالباً ومن عاد خائباً؟ لكن ماذا لو كانت التسوية الجيدة هي تحديداً تلك التي لا يستطيع أحد أن يعرض فيها جثة الآخر دليلاً على انتصاره؟ وماذا لو كان الاستدراك أهم من الاعتراف بالخطأ؟ وماذا لو كان تعديل مقتضى مؤثر أكثر نفعاً للمهنة من ألف خطاب يثبت أننا كنا على حق؟
أتوقف هنا أيضاً. حتى هذه العبارة قد تكون خطيرة: سيقال ربما إننا بدأنا نعد المواد، ونخفض السقف، ونهيئ النفوس للقليل. يا لهذا الحصار الذي يمكن أن نصنعه بأنفسنا ! حتى المفردات تحتاج إلى شهادة حسن سلوك: «الحوار» مشبوه، و«التسوية» أكثر شبهة، و«المرونة» تكاد تصبح اعترافاً، و«التدرج» قد يُقرأ تراجعاً، و«الاستدراك» نفسه قد يسألنا أحدهم: استدراك ماذا؟ ألم نكن نطالب بأكثر؟ وحتى «التفاوض» قد يصبح، في لحظة انفعال جماعي، مرادفاً للتفريط، كأن المفاوض لا يستطيع أن يكون مقاوماً، وكأن المقاوم لا يجوز له أن يفاوض.
فماذا بقي لنا؟ الصمت؟ لكن الصمت أيضاً موقف، والاستمرار بلا سؤال قرار، والامتناع عن مراجعة الوسيلة اختيار للوسيلة نفسها، والغضب، مهما كان مشروعاً وعادلاً، لا يرسم وحده طريقاً، بل ربما كان أخطر ما يفعله الغضب حين يطول أن يحول الوسيلة إلى جزء من الهوية، حتى يصبح مجرد اقتراح تغييرها تهديداً للانتماء إلى الجماعة.
لهذا أعود إلى السؤال الذي أخشاه: ماذا نريد بالضبط؟ أن نعاقب من صنع القانون أم أن نغير القانون؟ أن نثبت أننا كنا على حق أم أن نجعل ما كنا نقوله قابلاً للتحول إلى أثر؟ أن نسترد كل شيء دفعة واحدة، أم أن نسترد الممكن الآن من دون أن نتخلى عن الباقي؟ أن نحافظ على وحدة ظاهرية لا يسأل فيها أحد، أم أن نبني وحدة أقوى تستطيع احتمال السؤال والاختلاف والشك وحتى الخطأ؟
لا أعرف. وربما أعرف وأخشى أن أعرف. لكنني أعرف شيئاً واحداً: حين يصبح الخوف من التخوين أقوى من القدرة على التفكير، نكون قد منحنا خصمنا المفترض خدمة لم يطلبها منا ؛ نكون قد أغلقنا بأنفسنا المجال الذي كان ينبغي أن نصنع داخله بدائلنا، فالخصم الخارجي يحتاج إلى بذل جهد كبير لمحاصرتنا، أما نحن فقد نستطيع، بكلمة واحدة أو اتهام عابر أو تشكيك في النوايا، أن نحاصر بعضنا بعضاً بأقل كلفة ، ولذلك ربما ينبغي أن يبدأ التفاوض من الداخل، لا لكي يقنع بعضنا بعضاً بالتراجع أو التصعيد، ولا لكي نصنع إجماعاً مصطنعاً، بل لكي نستعيد الحق في السؤال: أن يستطيع المتشدد أن يقول: «أخشى أن تخدعنا التسوية»، من دون أن يوصف بالعدمية؛ ويستطيع المفاوض أن يقول: «أخشى أن يستنزفنا الانتظار»، من دون أن يتهم بالتفريط؛ ويستطيع الغاضب أن يغضب، والمتردد أن يتردد، والمتحفظ أن يتحفظ، والمبادر أن يقترح، من دون أن يتحول الاختلاف في تقدير الوسيلة إلى محاكمة للنوايا.
فالتفاوض البيني ليس بحثاً عن التطابق، بل صناعة للحد الأدنى الذي يسمح للاختلاف بأن يتحول إلى قوة. وقد يكون أول ما نحتاج إليه داخلياً هو ذلك «التعاطف التكتيكي» الذي نريد استعماله مع الآخرين: أن يستطيع كل واحد منا أن يعيد صياغة موقف مخالفه بدقة وأمانة إلى الحد الذي يقول معه الآخر: نعم، هذا بالضبط ما أقصده. لعلنا حينها نكتشف أن بعض خلافاتنا ليست حول الغاية أصلاً، وإنما حول الزمن والكلفة والأداة وتقدير المخاطر.
وعندها فقط يمكن أن ننتقل إلى الخارج بقدر أكبر من الثقة، لا حاملين قائمة مطالب فحسب، بل حاملين أيضاً أسئلة يصعب الهروب منها: كيف تتصورون تطبيق ما شُرّع إذا أظهر الواقع اختلالاته؟ كيف يمكن حماية حقوق الدفاع وحسن سير العدالة في ظل مقتضيات نرى أنها تخل بتوازناتهما؟ كيف يمكن تحميل المهنة وحدها كلفة نتائج لم تصنعها وحدها؟ وماذا تقترحون أن نفعل جميعاً إذا أثبت التطبيق أن بعض الحلول التشريعية تحتاج إلى مراجعة؟
ثم نصمت. ليس لأننا لا نملك الجواب، بل لأن دور الطرف الآخر أن يجيب أيضاً، ربما هذا ما ينقصنا في كثير من مفاوضاتنا: نحمل عبء المشكلة وعبء الاعتراض وعبء البرهنة وعبء الحل، ثم نذهب إلى الآخر بكل الأجوبة، فلا نترك له إلا أن يقول نعم أو لا. فلماذا لا نجعله يحمل نصيبه من السؤال، ونصيبه من كلفة الجواب، ونصيبه من مسؤولية المخرج؟
لكن قبل ذلك كله يعود السؤال إلى الداخل، أكثر إلحاحاً وإحراجاً: هل نستطيع نحن أن نحتمل أسئلة بعضنا؟ وهل المشكلة مجرد حرية في التعبير، أم أننا أصبحنا في حاجة إلى الدفاع أيضاً عن الحق في التقدير؟
فحرية التعبير تسمح لي بأن أقول رأيي، ولكن هل تكفل لي الحق في أن أقدّر الموقف بصورة مختلفة؟ هل يحق لي أن أرى أن وسيلة كانت صائبة بالأمس ولم تعد بالضرورة كذلك اليوم؟ أن أميز بين الثبات على الغاية والثبات على الأداة؟ أن أراجع تقديري حين تتغير الوقائع من دون أن تتحول المراجعة إلى قرينة على التراجع، أو المرونة إلى شبهة، أو السؤال إلى ملف اتهام؟ وما قيمة حرية تسمح لي بالكلام إذا كان عليّ، قبل كل كلام، أن أبرهن على ولائي للجماعة؟ وأن اثبت انني أغامر في بحر الممارسة حيث يجوز الخطأ والتأنيب ، ولا أخاطر في نهر المبدأ حيث يجب الثبات عنه !
وهنا يطل سؤال أشد إحراجاً: أي ديمقراطية نريد داخل مؤسساتنا المهنية: ديمقراطية عددية مهيمنة أم ديمقراطية نوعية منتجة؟ هل يكفي أن تكون الأغلبية أغلبية حتى يصبح تقديرها هو الحقيقة المهنية الوحيدة؟ أم أن قوة المؤسسة تقاس أيضاً بقدرتها على حماية الرأي المخالف، والإنصات إلى الصوت المزعج، واستثمار الاعتراض، والسماح للفكرة الأقل عدداً بأن تختبر يقين الجماعة؟ فالعدد يحسم القرار، نعم، لكنه لا يحتكر الصواب؛ ثم إن الأغلبية قد تمنح القرار شرعيته التنظيمية، لكنها لا ينبغي أن تمنح نفسها، باسم هذه الشرعية، احتكار التفكير والتقدير ، وتفرض الهيمنة الرمزية !
ربما تكون الديمقراطية المهنية التي نحتاجها هي تلك التي تحسم بالعدد ولكنها تنتج بالنوع؛ أغلبية تقرر من دون أن تهيمن، وأقلية تعترض من دون أن تعطل، وقيادة تمتلك التفويض من دون أن تعتبره امتلاكاً للحقيقة، وقاعدة تمارس الرقابة من دون أن تحولها إلى حصار نفسي على من يفكر بطريقة مختلفة. ديمقراطية لا تخاف من الصوت المخالف، لأن وظيفته ليست دائماً تعطيل القرار، بل قد تكون إنقاذه من يقينه الزائد ؛ وعندها يصبح السؤال الحقيقي سابقاً حتى على سؤال التفاوض مع خصومنا المفترضين: هل نريد وحدة يصنعها الخوف من الاختلاف، أم وحدة يصنعها الحق في الاختلاف؟ وهل تكفينا حرية التعبير، أم نحتاج معها إلى الحق في التقدير؟ وهل نريد ديمقراطية تحصي الأصوات فقط، أم ديمقراطية تنتج الأفكار والبدائل أيضاً؟ ...لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس أن نختلف في تقدير الطريق، بل أن نتفق على طريق واحد فقط لأن الطرق الأخرى لم يعد أحد يجرؤ على اقتراحها !!






