فن وإعلام

الأطروحة‭ ‬لا‭ ‬تعادل‭ ‬كتاباً‭ ‬غالباً

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام (روائي عراقي مقيم في لندن)
كانت‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬والثمانيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬توصية‭ ‬تلحقها‭ ‬لجان‭ ‬مناقشة‭ ‬رسائل‭ ‬نيل‭ ‬الماجستير‭ ‬والدكتوراه‭ ‬بالدرجات‭ ‬الممنوحة‭ ‬لطلبة‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا،‭ ‬والتوصية‭ ‬تقول‭ ‬انّ‭ ‬الرسالة‭ ‬ستنشر‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الجامعة‭ ‬أو‭ ‬بتعضيد‭ ‬منها‭. ‬وجرت‭ ‬طباعة‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬عبر‭ ‬الجامعات‭ ‬او‭ ‬المراكز‭ ‬العلمية‭ ‬التابعة‭ ‬لها‭. ‬ومع‭ ‬تغييرات‭ ‬أوضاع‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬سنة1980‭ ‬وسنة‭ ‬1988،‭ ‬أصبحت‭ ‬تلك‭ ‬التوصيات‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لها‭ ‬لأنها‭ ‬لن‭ ‬تنفذ،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الجامعات‭ ‬مهتمة‭ ‬في‭ ‬موازناتها‭ ‬العامة‭ ‬ببند‭ ‬نشر‭ ‬الرسائل‭ ‬الجامعية‭. ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬بعض‭ ‬الرسائل‭ ‬نالت‭ ‬الفرصة‭ ‬ضمن‭ ‬منشورات‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية،‭ ‬وصدرت‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬وكان‭ ‬منها‭ ‬الجيد‭ ‬والاصيل‭.‬

على‭ ‬صعيد‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬العربية،‭ ‬نجد‭ ‬ملاحظة‭ ‬بارزة‭ ‬دائماً،‭ ‬تقول‭ ‬انّ‭ ‬الدار‭ ‬لا‭ ‬تنشر‭ ‬الأطاريح‭ ‬الجامعية،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬الموضوع‭ ‬واصالته،‭ ‬وبعضها‭ ‬الاخر‭ ‬راح‭ ‬ينشر‭ ‬على‭ ‬نفقة‭ ‬الجهة‭ ‬المعاضدة‭ ‬أو‭ ‬نفقة‭ ‬المؤلف‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬استثناءات‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القياس،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬الكتب‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية،‭ ‬كتاب‭ ‬الثابت‭ ‬والمتحول‭ ‬لأدونيس‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وهو‭ ‬رسالته‭ ‬لنيل‭ ‬الدكتوراه‭.‬

هناك‭ ‬فارق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬رسالة‭ ‬نيل‭ ‬الدكتوراه‭ ‬ورسالة‭ ‬الماجستير،‭ ‬فالأخيرة‭ ‬تمثل‭ ‬متطلبات‭ ‬دنيا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬اول‭ ‬اختبار‭ ‬بحثي‭ ‬جاد‭ ‬له‭ ‬ويحتمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الملاحظات‭ ‬في‭ ‬الجدة،‭ ‬والرؤية،‭ ‬والاستقلالية،‭ ‬والتميز‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬انّ‭ ‬رسائل‭ ‬الدكتوراه‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬مرتبة‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬التأليف،‭ ‬وغالبا‭ ‬يكون‭ ‬الطلبة‭ ‬قد‭ ‬مروا‭ ‬بتجارب‭ ‬بحثية‭ ‬عديدة،‭ ‬لاسيما‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬ضمن‭ ‬هيئات‭ ‬التدريس‭ ‬قبل‭ ‬التقديم‭ ‬لنيل‭ ‬شهادة‭ ‬الدكتوراه‭.‬

اليوم،‭ ‬نرى‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬استنساخات‭ ‬بحثية‭ ‬كثيرة،‭ ‬فالبحوث‭ ‬والأطاريح‭ ‬الجامعية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬كمية‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬النقولات،‭ ‬بتنا‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬نكتشف‭ ‬الرؤية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمؤلفين‭. ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الحدود‭ ‬الدنيا‭ ‬في‭ ‬المتطلبات‭ ‬البحثية‭ ‬الاكاديمية‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬انّ‭ ‬هذه‭ ‬الاطروحة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬مؤهلة‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬كتاباً‭ ‬يضيف‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬اختصاصه‭. ‬لاسيما‭ ‬انّ‭ ‬العناوين‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬دقة‭ ‬الموضوع،‭ ‬وانما‭ ‬هناك‭ ‬خلط‭ ‬بين‭ ‬عنوان‭ ‬مقال‭ ‬أو‭ ‬ورقة‭ ‬بحثية‭ ‬جزئية‭ ‬وعنوان‭ ‬كتاب‭ ‬متخصص‭. ‬ولعلّ‭ ‬استسهال‭ ‬القبول‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا،‭ ‬وعدم‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬المراحل‭ ‬التمهيدية‭ ‬للطلبة‭ ‬وتفشي‭ ‬التساهل‭ ‬معهم،‭ ‬يقود‭ ‬الى‭ ‬رسائل‭ ‬جامعية‭ ‬ضعيفة،‭ ‬وفي‭ ‬العراق‭ ‬ضاعت‭ ‬المقاييس‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين،‭ ‬لذلك‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬كتب‭ ‬بعناوين‭ ‬براقة‭ ‬ومضامين‭ ‬ضعيفة‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬البؤس‭ ‬أحياناً‭. ‬وتلك‭ ‬من‭ ‬مكابدات‭ ‬عالم‭ ‬النشر‭ ‬وافرازاته‭ ‬أيضاً‭.‬