شهد علاج سرطان الكبد تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، مع توسع استخدام العلاجات المناعية والموجهة، وتقنيات الأشعة التداخلية والعلاج الموضعي، إلى جانب تطوير وسائل للكشف المبكر والمتابعة الدقيقة للمرضى.
ويظل الكشف المبكر من أهم العوامل المؤثرة في فرص العلاج، خصوصاً لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة. وتشمل الفئات التي تحتاج إلى مراقبة منتظمة مرضى تليف الكبد بمختلف أسبابه وحاملي فيروس التهاب الكبد “باء”، مع اعتماد برامج فحص دورية يمكن أن تشمل التصوير بالموجات فوق الصوتية وتحليل بروتين ألفا الجنيني وفق تقييم الطبيب والإرشادات المعتمدة.
ويرتبط سرطان الكبد في نسبة كبيرة من الحالات بأمراض مزمنة تصيب الكبد، أبرزها التهاب الكبد الفيروسي “باء” و“سي”، إضافة إلى الكبد الدهني المرتبط بالاضطرابات الأيضية، خاصة عندما يترافق مع السمنة والسكري من النوع الثاني ويتطور إلى تليف الكبد. كما يمثل التعرض لسموم الأفلاتوكسين الناتجة عن سوء تخزين بعض الأغذية أحد عوامل الخطر المعروفة.
وتكمن صعوبة اكتشاف المرض في مراحله الأولى في إمكانية غياب الأعراض، بينما قد تظهر لاحقاً علامات مثل فقدان الوزن والشهية، التعب، الألم أو الشعور بالامتلاء في الجزء العلوي الأيمن من البطن، إضافة إلى اليرقان أو تجمع السوائل في البطن في المراحل المتقدمة.
ويحدد الأطباء طريقة العلاج بناء على عدة عوامل، أبرزها حجم الورم وعدده ومدى انتشاره، ووظائف الكبد، والحالة الصحية العامة للمريض. ويُتخذ القرار عادة ضمن فريق طبي متعدد التخصصات.
في الحالات المبكرة والمحدودة، يمكن اللجوء إلى الاستئصال الجراحي عندما تكون وظائف الكبد مناسبة لذلك. أما المرضى الذين يعانون من تليف متقدم وفق شروط محددة، فقد تكون زراعة الكبد أحد الخيارات العلاجية.
وتستخدم تقنيات الكي الموضعي، مثل التردد الحراري أو الميكروويف، لعلاج بعض الأورام الصغيرة، بينما يمكن استخدام العلاج الكيميائي الشرياني الموجه “TACE” أو العلاج الإشعاعي الشرياني “TARE” في حالات أخرى، خصوصاً عندما تكون الجراحة غير مناسبة.
كما دخل العلاج الإشعاعي التجسيمي للجسم ضمن الخيارات المتاحة لبعض المرضى، إذ يسمح بتوجيه جرعات إشعاعية دقيقة إلى الورم مع الحد من تعرض الأنسجة السليمة للإشعاع.
وفي الحالات المتقدمة التي ينتشر فيها المرض خارج الكبد أو يرتبط بجلطات في الأوعية الدموية، أصبحت الأدوية الجهازية والعلاجات المناعية جزءاً أساسياً من الخيارات العلاجية. ومن بين البروتوكولات المستخدمة تركيبات تجمع أدوية مناعية أو أدوية موجهة، فيما توجد علاجات أخرى يمكن اللجوء إليها بحسب حالة المريض وموانع استخدام كل دواء.
وتطورت هذه الخيارات مقارنة بالمرحلة التي كان فيها “سورافينيب” من أبرز العلاجات المتاحة للحالات المتقدمة، قبل ظهور مجموعة من العلاجات المناعية والموجهة التي وسعت الخيارات أمام المرضى.
ويجري كذلك تطوير وسائل للكشف عن المرض وتحديد خصائصه، من بينها مؤشرات حيوية مثل AFP-L3 وPIVKA-II، إضافة إلى الخزعات السائلة التي تبحث في مؤشرات مرتبطة بالورم في الدم. كما يفتح تحليل الخصائص الجينية للورم المجال أمام اختيار علاجات أكثر ملاءمة لكل حالة.
ويمتد التطور إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الأشعة، من خلال تقنيات مثل “الراديوميات” والتعلم العميق، بهدف استخراج خصائص دقيقة من صور الأورام والمساعدة في توقع استجابتها لبعض العلاجات.
ورغم التطور العلاجي، تظل الوقاية عاملاً أساسياً في الحد من سرطان الكبد، من خلال مكافحة السمنة والكبد الدهني، والتطعيم ضد التهاب الكبد “باء”، والكشف عن التهاب الكبد “سي” وعلاجه، وتعزيز إجراءات مكافحة العدوى وسلامة نقل الدم، إضافة إلى الحد من التعرض للأفلاتوكسين.
كما تبرز أهمية المتابعة المنتظمة بعد العلاج لاكتشاف أي عودة للمرض في وقت مبكر، إلى جانب الاعتماد على العلاجات المثبتة علمياً وتجنب المعلومات الطبية غير الموثوقة التي قد تؤخر تلقي العلاج المناسب.
ويشير التطور المتسارع في علاجات سرطان الكبد إلى اتساع الخيارات المتاحة للمرضى، غير أن الاستفادة منها ترتبط بدرجة كبيرة بتشخيص المرض في مرحلة مناسبة، وتقييم الحالة بشكل دقيق، واختيار العلاج وفق خصائص الورم ووظائف الكبد والحالة الصحية للمريض.






