جمعنا هذا الحزب، كما جمعتنا موائد كثيرة، وتقاسمنا الخبز والملح، واختلفنا في الرأي كما يختلف الذين تجمعهم قضية واحدة، لكن الود ظل بيننا، لأن السياسة ـ مهما اشتدت ـ لا ينبغي أن تفسد للإنسان أخاه.
منذ أواخر سنة 2022، كان هذا الفضاء الافتراضي جزءًا من يومياتنا… شهد نقاشاتنا، واختلافاتنا، وضحكاتنا، وقلقنا، وأحلامنا. واليوم أغادره، لا لأنني نسيت ما جمعنا، ولا لأنني أتنكر لجميل الرفقة، وإنما لأنني لم أعد أجد لي مكانًا سياسيًا داخل حزبٍ بخل عليّ بتزكية.
أغادر وفي القلب غصة، نعم… لكن ليس غصة رجلٍ مولع بالكراسي.
فقد جربت الكرسي، وكنت رئيسًا للجهة، ثم تركته يوم شعرت أن بقاءه قد يكلّفني شيئًا من نفسي، وأن جزءًا من روحي قد يضيع في ممراتٍ لا تشبهني، أو في متاهاتٍ لا أريد أن أكون شاهدًا عليها، فضلًا عن أن أكون جزءًا منها.
الكراسي، في نهاية الأمر، خشبٌ مرتفع عن الأرض قليلًا… أما الإنسان، فإن سقط من داخله، فلن تنقذه كل الكراسي التي في العالم.
واليوم، وأنا أغادر فريقًا ترك في ذاكرتي الكثير من الوجوه واللحظات الجميلة، لا أغادر بحثًا عن ترحالٍ سياسي جديد، ولا أبدّل قميصًا بقميص، ولا أبحث عن مظلةٍ أختبئ تحتها. إنما أغادر لأنني أشعر أن الرحيل أصبح قسريًا حين يصبح الدفاع عن المبدأ تهمة، والانتقاد ضريبة، والاختلاف مع الأقوياء طريقًا بلا رفيق.
وحين لا تجد خلفك إلا الله… تعرف أن عليك أن تمضي.
سأغادر، لأن من الأخلاق أيضًا ألا أبقى بينكم متلصصًا على أخباركم، أو متابعًا لنقاشاتكم، أو حاضرًا في فضاء لم أعد أنتمي إليه سياسيًا. لكنني لا أغادر إنسانيًا.
فالسياسة عابرة، والإنسان هو الباقي.
لذلك سأظل أخًا وصديقًا ومحترمًا لكل واحد منكم، وسأظل ـ ما استطعت ـ رهن الإشارة في كل ما يجمعنا من مودة واحترام وذكريات.
أتمنى لكل واحد منكم، رجلًا كان أو امرأة، التوفيق والنجاح… وقبل كل نجاح، الصحة والعافية وراحة البال.
فكم من إنسان ربح موقعًا وخسر نفسه، وكم من آخر خسر موقعًا وربح احترامه لذاته.
والرحمة مجددًا لزميلنا شفيق أمين… كان معنا هنا، ثم أصبح هناك، حيث لا حزب ولا مقعد ولا تزكية ولا منصب.
هكذا هي الدنيا… تمضي بنا جميعًا، ولا يبقى في النهاية إلا ما تركناه من أثر، وما حملناه من أخلاق، وما قدمناه من عمل صالح.
شكرًا لكل من تقاسم معي الخبز والملح، والاختلاف والاتفاق، واللحظة الجميلة واللحظة الصعبة.
لا أقول لكم وداعًا لأن الوداع كلمة نهائية، وأنا لا أؤمن أن المودة تنتهي بتغير العناوين السياسية.
أقول فقط…
وداعًا لهذا الفضاء، وإلى لقاءٍ في فضاءٍ آخر، حيث لا تسألنا السياسة من أي حزب نحن، بل تسألنا الحياة: أيُّ بشرٍ كنا؟
تحياتي لكم جميعًا.






