نحن مقبلون على استحقاقات 2026، وستنبثق عنها مؤسسة تشريعية وحكومة جديدتان، ويمكن أن يصبح تعديل القانون وتجويده أحد الملفات التي ستجد نفسها أمام مسؤولية معالجتهما، على وجه الاستعجال خصوصاً إذا استمرت الأزمة التي خلفها النص ، نص أحيل على المحكمة الدستورية لما اثاره من جدل وما يشوبه من عوار دستوري فتعذر افتحاصه لعيب مسطري !
في مقالاتي السابقة تمسكت بكل ما اوتيت من قوة كما تمسك كثير من الزملاء، بضرورة إحالة قانون مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية، ليس رغبة في تعطيل المسار التشريعي، ولا خروجاً عن احترام المؤسسات، وإنما إيماناً بأن دولة المؤسسات لا تستقيم إلا باحترام الدستور، وأن القانون لا تكون له مشروعية كاملة إلا باحترام القواعد والمساطر التي تحكم إنتاجه.
وقد كانت الإحالة على المحكمة الدستورية، في تقديري، هي الآلية الطبيعية لحسم ما أثير من إشكالات دستورية حول عدد من مقتضيات القانون.
لكن المحكمة الدستورية، لأسباب مسطرية، لم تتمكن من الانتقال إلى فحص مضمون القانون، وبالتالي لم نحصل على جواب دستوري موضوعي بشأن المقتضيات التي كانت محل اعتراض ونقاش.
وكم ناضلت و اتصلت وتحركت بما لدي من إمكانيات بسيطة وبقوة القلم من اجل اعادة الاحالة على المحكمة الدستورية ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه
وهنا تبدأ مرحلة جديدة.
ولا أعتقد أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يعني بأي شكل من الأشكال التراجع عن الموقف أو التخلي عن المبادئ التي دافعت عنها و دافع عنها فرسان الرداء الأسود بدون خلفيات ولا انحناءات لأي كان بغض النظر عن قلة قليلة لم تنخرط في المخطط النضالي لاسباب تهم هذه القلة
فأنا لم أكن متمسكة بالإحالة على المحكمة الدستورية باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة دستورية للوصول إلى غاية أسمى: حماية الدستور، واستقلال مهنة المحاماة، وضمان حقوق الدفاع، وتصحيح ما قد يكون في النص من اختلالات والكل يعلم ان عشرات النصوص. كانت ستصرح المحكمة الدستورية بعدم مطابقتها للدستور
وحين انتهت هذه المرحلة دون أن تُحسم المسألة موضوعياً، فإن التمسك بالمبدأ يقتضي أن نبحث عن الوسائل القانونية والمؤسساتية الأخرى التي يمكن أن تحقق الغاية نفسها.
فنحن في دولة مؤسسات، وهذه ليست مجرد عبارة للاستهلاك السياسي.
احترام المؤسسات يعني أن نختلف داخل المؤسسات، وأن نعترض داخل القانون، وأن نطالب بتعديل القانون عبر القانون نفسه.
اذ لا ينسخ قانون إلا بقانون
ومن هنا، فإنني لا أرى أن نشر القانون في الجريدة الرسمية يعني نهاية النقاش، علما ان الاحتجاج هو وسيلة وليس غاية .
أما الغاية فهي أن يكون لدينا قانون ينظم مهنة المحاماة بما ينسجم مع الدستور، ويحمي استقلال المهنة، ويصون حقوق الدفاع، ويحقق التوازن المطلوب بين المصلحة العامة ومتطلبات ممارسة المهنة.
ولذلك فإن تغيير الأداة لا يعني تغيير المبدأ.
لقد كانت المرحلة الأولى تقتضي المطالبة بالإحالة على المحكمة الدستورية.
أما المرحلة الجديدة، في تقديري، فتقتضي الاشتغال على النص نفسه: تحديد المقتضيات التي أفرزت الأزمة، وتوثيق مواطن الخلل التي كشفت عنها المناقشات والممارسة، وإعداد البدائل التشريعية الممكنة، حتى يكون النقاش المقبل قائماً على مقترحات دقيقة، لا على مجرد الرفض.
وهنا تكتسب المرحلة السياسية والتشريعية المقبلة أهميتها.
فنحن مقبلون على استحقاقات 2026، وستنبثق عنها مؤسسة تشريعية وحكومة جديدتان، ويمكن أن يصبح تعديل القانون وتجويده أحد الملفات التي ستجد نفسها أمام مسؤولية معالجتهما، خصوصاً إذا استمرت الأزمة التي خلفها النص الذي تعذر على المحكمة الدستورية انتزاع السم من بعض مقتضياته
وليس في ذلك أي تناقض مع موقفنا السابق.
فإذا كانت المحكمة الدستورية لم تتمكن من فحص بعض المقتضيات موضوعياً، فإن ذلك لا ينبغي أن يحول دون استمرار النقاش حولها تشريعياً، ولا يعني أن كل ما أثير بشأنها قد أصبح محسوماً من الناحية الموضوعية.
بل ربما يكون من مسؤوليتنا أن نحول ما كان سيُطرح أمام المحكمة الدستورية من حجج وملاحظات إلى مادة إصلاح تشريعي يمكن أن تستفيد منها المؤسسة التشريعية والحكومة المقبلة.
وهنا أعتقد أن علينا أن ننتقل من سؤال:
كيف نمنع القانون؟ إلى سؤال أكثر واقعية وعمقاً:
كيف نُصلح القانون؟
وهذا لا يعني الاستسلام، بل يعني أن نُخرج المعركة من منطق رد الفعل إلى منطق بناء البديل.
لأن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نختزل قضية دستورية وتشريعية ومهنية عميقة في وسيلة احتجاج واحدة.
لقد دافعنا عن الإحالة لأننا نؤمن بالمؤسسات.
واليوم، وبالمنطق نفسه، علينا أن نواصل العمل من داخل المؤسسات.
فالقانون لا يُبنى إلا بالقانون، ولا يُصلح إلا بالقانون.
ومن ثم، فإن دعوتي ليست إلى طي صفحة النضال، وإنما إلى فتح صفحة جديدة منه: صفحة الاقتراح، والتعديل، والتجويد، والاستعداد منذ الآن لورشة تشريعية جادة تستفيد من كل ما أفرزته هذه الأزمة.
وهكذا لا يكون الانتقال من الرقابة الدستورية إلى الإصلاح التشريعي تنازلاً عن المبدأ، وإنما استمراراً له بأداة أخرى.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة: هل نستطيع أن نحول أزمة قانون المحاماة من لحظة انقسام واحتجاج إلى فرصة لإنتاج قانون أفضل؟
ذلك، في رأيي، هو النضال الذي ينبغي أن نبدأ في الإعداد له من الآن والحكومة المقبلة قد تكون كلها اذان صاغية.






