سياسة واقتصاد

الوطن ليس غنيمة والكرسي ليس قدرًا؟

عبد العزيز الخطابي

لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل المغاربة اليوم هو: من سيفوز في الانتخابات؟ بل السؤال الأكثر إزعاجًا للطبقة السياسية: هل توجد فعلًا قيادة سياسية تمتلك مشروعًا وطنيًا. وشجاعةً أخلاقية. وقدرةً على تحمل مسؤولية قيادة الحكومة المقبلة؟

لقد امتلأت الساحة بالأحزاب. وكثرت الوجوه. وتناسلت الشعارات. لكن الوطن لا يُبنى بكثرة الأحزاب ولا بطول الخطب. الوطن يحتاج إلى رجال دولة يعرفون أن السلطة مسؤولية. وأن المال العام أمانة. وأن الكرسي ليس ملكيةً خاصة. ولا جائزةً تُمنح لمن أتقن فن الوصول إلى صناديق الاقتراع.

المشكلة أن المواطن لا يرى دائمًا في السياسة صراعًا بين مشاريع متنافسة. بل يرى أحيانًا صراعًا بين أشخاص على النفوذ والمواقع. وعندما تقترب الانتخابات. يعود الفقير إلى واجهة الخطاب السياسي: يصبح فجأةً «أولوية» وتصبح معاناته مادةً للخطب. وتصبح أحلامه عنوانًا للبرامج. تُفتح دفاتر الوعود. وتُرفع شعارات العدالة الاجتماعية. وتكثر الابتسامات أمام الكاميرات. ثم تنتهي الانتخابات. فيعود الفقير إلى طوابيره الطويلة. ويعود السياسي إلى كرسيه. ويعود المواطن إلى السؤال نفسه: أين ذهبت كل تلك الوعود؟

هنا تحديدًا ينبغي أن تتوقف السياسة قليلًا أمام مرآة الأخلاق.

من يحب الوطن فعلًا؟ المواطن الذي لا يملك سوى صوته. ويكافح من أجل لقمة العيش وتعليم أبنائه ومستقبل أسرته. ثم يُطلب منه في كل انتخابات أن يثبت وطنيته؟ أم السياسي الذي جعل من السلطة طريقًا إلى النفوذ والامتيازات والمصالح؟

ليس من العدل أن نضع جميع السياسيين والأحزاب في سلة واحدة. لكن من حق المواطن أن يسأل. ومن واجب الصحافة أن تطرح الأسئلة التي لا يرغب السياسيون دائمًا في سماعها. ومن حق الناخب أن يعرف: من يريد خدمة الوطن. ومن يريد الوصول إلى السلطة باسم الوطن؟

لقد أصبحنا بحاجة إلى التمييز بين من يرى في السياسة مسؤولية. ومن يراها مهنة؟ بين من ينظر إلى الدولة باعتبارها أمانة. ومن ينظر إليها باعتبارها مجالًا للنفوذ؟ وبين من يريد أن يترك وراءه أثرًا في حياة الناس. ومن يريد فقط أن يترك وراءه كرسيًا محفوظًا في الذاكرة السياسية.

فالذين يطلبون أصوات الفقراء باسم الوطن. عليهم أن يثبتوا أولًا أنهم لا يرون في الوطن ثروةً قابلةً للاستثمار السياسي. والذين يتحدثون عن محاربة الفقر. عليهم أن يجيبوا عن سؤال بسيط: لماذا يبقى الفقر حاضرًا في خطاباتهم الانتخابية أكثر مما هو حاضر في سياساتهم العمومية؟

الشعب ليس خزانًا انتخابيًا. والفقر ليس برنامجًا انتخابيًا. والوطن ليس شركةً سياسية. والمواطن ليس رقمًا يُستدعى عند الحاجة ثم يُنسى بعد إعلان النتائج.

الأحزاب التي تريد ثقة المغاربة مطالبة اليوم بأكثر من البيانات والشعارات. مطالبة بتقديم قيادات قادرة على تحمل مسؤولية الحكم، وبرامج قابلة للمحاسبة. ووعود يمكن قياسها. ومواقف لا تتغير بتغير موازين القوة. أما الزعيم الذي يريد الكرسي قبل أن يقدم مشروعًا. والحزب الذي يريد السلطة قبل أن يقدم حسابًا واضحًا أمام المواطنين. فلا ينبغي أن يطلب تفويضًا مفتوحًا باسم الديمقراطية.

المغربي لا يحتاج إلى سياسي جديد يجيد الحديث عن الوطن. بقدر ما يحتاج إلى رجل دولة يعرف أن الوطن أكبر من الحزب. وأن الدولة أكبر من الحكومة. وأن المواطن أكبر من الصندوق الانتخابي.

وربما يكون أكثر الناس حبًا لهذا الوطن أولئك الذين لا يملكون فيه إلا بيتًا متواضعًا. وأجرًا محدودًا. وحلمًا بسيطًا بمستقبل أفضل لأبنائهم. أولئك الذين لا يملكون قرارًا سياسيًا ولا نفوذًا اقتصاديًا. لكنهم يدفعون ثمن كل أزمة من خبزهم وصحتهم وتعليم أبنائهم وكرامتهم.

أما الذين يملكون المال والنفوذ والسلطة. فعليهم أن يواجهوا السؤال الذي ينبغي ألا تخاف منه الديمقراطية: هل يحبون الوطن فعلًا. أم يحبون ما يمنحه الوطن من ثروة ونفوذ وامتياز وكرسي؟

إنها ليست مجرد معركة بين أحزاب على مقاعد البرلمان. وليست مجرد منافسة على رئاسة الحكومة. إنها معركة على معنى السياسة نفسها. فإما أن تعود السياسة إلى أصلها: خدمة الناس وحماية المصلحة العامة. وإما أن يبقى الكرسي هو البطل الحقيقي في كل انتخابات. ويبقى المواطن مجرد رقم يظهر عندما تفتح صناديق الاقتراع ثم يُنسى عندما تُغلق.

وفي بلد يحتاج إلى الثقة أكثر من أي وقت مضى. لا يكفي أن يسأل المواطن: من سيحكم؟ بل عليه أن يسأل السؤال الأصعب: من يستحق أن نحكم عليه من خلال ما وعد به وما أنجزه؟

لأن الوطن ليس غنيمة. والكرسي ليس قدرًا. والانتخابات ليست شيكًا على بياض.

ومن لا يرى في السلطة إلا طريقًا إلى السلطة. لا ينبغي أن يُطلب منه أن يقود وطنًا يبحث عن المستقبل.