كنت في حديث مع أحد الكتاب، ووجدته مغتاظا من قلة اهتمام الوسط الثقافي بما أسداه للجامعة والبحث العلمي من دراسات قيمة، بعد بلوغه سن التقاعد. قلت له مستغربا، بالنظر إلى الثقة والصراحة اللتين تجمعان بيننا: ماذا تنتظر أكثر من أن تنظم باسمك ندوة، أو يصدر كتاب جماعي حول أعمالك؟ وكل ذلك قد حصل بالفعل. هل تريد أن ينصب لك تمثال عند مدخل المدينة؟ حتى لو تحقق ذلك، وماذا بعد؟
ماذا ينتظر الأديب (أو الناقد أو العالم) من الوزارة، أو من الدولة، حين يبلغ من العمر عتيا؟ أو حين يموت؟ نعم، ينتظر الاعتراف. أليست أعماله وكتاباته هي التي تعترف به، حين تلهج بذكر اسمه ألسنة الطلاب والباحثين؟ أليست تكتب له حياة أخرى "رمزية"، هي أشبه بالأبدية؟ ماذا ينتظر، وبخاصة حين يكون مكتفيا ذاتيا مما حصله طيلة مسيرته، أي "مستورا" ماديا؟
في سياق وفاة أستاذنا الشاعر محمد السرغيني، وجدت "نشاطا فيسبوكيا" زائدا عن الحد في التلاوم، والاعتذار، والتأسف..مع غير قليل من الاستعراض. الرجل مات. وليس لنا إلا الدعاء له بالرحمة، أو قراءة الفاتحة على روحه، أو العودة إلى بعض أشعاره تأملا واعتبارا. لا داعي للاستغراب من عدم مرافقة موكب جنازته الآلاف من الكتاب، ولا مجال للاعتذار عن عدم حضور موكب الجنازة. حتى لوجيستيكيا، لا يستقيم احتشاد المئات من الأفراد ببيته، حتى لو ارادوا ذلك عنوة، قادمين من كل فج عميق، تعبيرا عن حسرتهم على وفاة شاعر رائد. من حضر، فقد كفى الغائبين، ومن لم يحضر فيكفيه أن يدعو له بالرحمة. وفي بعض الأحيان، يكون الغياب أفضل من الحضور، بالنسبة إلى أولئك الذين يترصدون النعوش لالتقاط الصور معها.
رحم الله الأستاذ السرغيني، فقد التقيته أكثر من مرة وفي أكثر من لقاء شعري، ووجدته إنسانا شاعرا، في صورة طفل جميل وديع، ولكن عميق.
هذا رأيي، والله أعلم.






