قضايا

الهجرة كسلاح جيوسياسي.. كيف توظّف إسبانيا ورقة الهجرة في تدبير أزمة سبتة؟ (الجزء الرابع والأخير 2/2)

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)
الطريق الرابع: من ردّ الفعل إلى صناعة البديل

في مواجهة هذه التعقيدات، لا يكفي أن يكتفي المغرب بردود الفعل الدبلوماسية أو الأمنية، ولا أن يحصر النقاش في ثنائية: إسبانيا تحمي حدودها، والمغرب يحاول منع الهجرة.

المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة البديل. وهنا تكتسب فكرة «الطريق الرابع: رؤية والتزام» معناها.

فالطريق الرابع لا ينطلق من منطق الاصطفاف ضد إسبانيا، ولا من خطاب المظلومية، ولا من تبرير كل السياسات الوطنية باسم السيادة. كما أنه لا يقبل، في المقابل، أن تتحول الشراكة مع أوروبا إلى علاقة غير متوازنة، أو أن تصبح الهجرة أداة ضغط على المغرب، أو أن يتحول الشباب المغربي إلى مجرد رقم في معادلات الأمن الأوروبي.

إن الطريق الرابع يقترح مقاربة أخرى تقوم على السيادة الديمقراطية، والكرامة الإنسانية، والتنمية، والندية في العلاقات الدولية، وتحويل الشباب من موضوع للسياسات إلى قوة فاعلة في صناعة المستقبل.

ومن هذا المنظور، فإن قضية سبتة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها أزمة حدود أو أزمة هجرة، وإنما باعتبارها اختباراً لقدرة المغرب على الانتقال من موقع الاستجابة للضغوط الخارجية إلى موقع إنتاج المبادرات والتأثير في قواعد التفاوض.

وهذا هو أحد المعاني الأساسية للطريق الرابع: أن تتحول التنمية إلى جزء من السياسة الخارجية، وأن تصبح حقوق الشباب جزءاً من الأمن الوطني، وأن يصبح الاستثمار في الإنسان جزءاً من حماية السيادة.

فالشاب الذي يجد تعليماً جيداً، وعملاً لائقاً، وفضاءً للمشاركة، وإمكانية للترقي الاجتماعي، ليس مجرد مواطن أقل ميلاً إلى الهجرة؛ إنه مواطن أكثر ارتباطاً بمجتمعه وأكثر قدرة على المساهمة في قوته ومناعته.

لذلك، فإن6 مواجهة توظيف الهجرة جيوسياسياً لا تبدأ فقط عند الحدود، بل تبدأ داخل المدرسة والجامعة وسوق الشغل والمدينة والحقل الثقافي والمؤسسات السياسية.

إن الطريق الرابع يرفض أن يكون الشباب المغربي رهينة بين ضغط الحدود الأوروبية واختلالات الداخل المغربي. ويطرح بدلاً من ذلك معادلة جديدة:

ومن هنا يصبح الاستثمار في الشباب ليس سياسة اجتماعية فحسب، وإنما استثماراً في السيادة الوطنية نفسها.

من أمن الحدود إلى أمن الإنسان

إن المقاربة التي يقترحها الطريق الرابع لا تضع حقوق الإنسان في مواجهة السيادة، ولا التنمية في مواجهة الأمن، ولا التعاون الدولي في مواجهة المصالح الوطنية. بل ترى أن هذه العناصر يمكن أن تتكامل داخل رؤية واحدة.

فأمن الحدود لا يمكن أن يكون بديلاً عن أمن الإنسان، كما أن أمن الإنسان لا يمكن أن يتحقق من دون دولة قوية ومؤسسات فعالة وعدالة اجتماعية وفرص حقيقية.

وهنا يصبح السؤال مختلفاً: ليس كيف نمنع الشباب من الهجرة؟ بل كيف نبني مغرباً يجعل الهجرة اختياراً، لا اضطراراً؟

وليس فقط كيف تحمي إسبانيا حدودها؟ بل أيضاً كيف نبني علاقة مغربية إسبانية تجعل حماية الحدود جزءاً من تعاون متوازن، وليس أداة لإنتاج اختلال جديد في موازين القوة؟

هذه هي النقلة التي يقترحها الطريق الرابع: الانتقال من سياسة المنع إلى سياسة بناء البدائل، ومن تدبير الهجرة باعتبارها مشكلة إلى تدبيرها باعتبارها ظاهرة اجتماعية وإنسانية واقتصادية وجيوسياسية تحتاج إلى رؤية شاملة.

سبتة والطريق الرابع: السيادة التي تنتج البدائل

إن سبتة، في هذا المنظور، ليست فقط ملفاً دبلوماسياً مؤجلاً، ولا مجرد حدود تحتاج إلى مزيد من المراقبة. إنها مناسبة لإعادة التفكير في طبيعة العلاقة المغربية الإسبانية برمتها.

فالمغرب لا يحتاج إلى مواجهة دائمة مع إسبانيا، كما أنه لا يحتاج إلى علاقة تقوم على التبعية أو المجاملة. ما يحتاجه هو علاقة ندية، واقعية، متوازنة، واضحة المصالح والالتزامات.

وهذا ينسجم مع جوهر الطريق الرابع: تجاوز الثنائيات التقليدية التي تحكم النقاش السياسي ــ مع أو ضد، دولة أو مجتمع، أمن أو حقوق، سيادة أو تعاون ــ والبحث عن تركيب جديد يجمع بين المصالح والقيم.

فالندية لا تعني القطيعة، والتعاون لا يعني التبعية. كم ان السيادة لا تعني الانغلاق، وحقوق الإنسان لا تعني إضعاف الدولة.

إن الهجرة لا ينبغي أن تكون سلاحاً في يد أي طرف.

في اتجاه علاقة مغربية إسبانية جديدة

المغرب لا يحتاج إلى علاقات متوترة مع إسبانيا، كما أن إسبانيا لا تحتاج إلى مغرب ضعيف أو مضطرب. مصالح البلدين متشابكة، جغرافياً واقتصادياً وبشرياً وأمنياً. لكن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على اختلال موازين القوة، وإنما على الاحترام المتبادل. ومن هنا يمكن أن تتأسس علاقة جديدة على خمسة مبادئ واضحة:

1. احترام السيادة وعدم استخدام الهجرة وسيلة للضغط السياسي.

2. ضمان حقوق الإنسان على الحدود دون استثناءات جغرافية أو أمنية.

3. معاملة متوازنة في قضايا الحركة والتأشيرات والتنقل الاقتصادي.

4. تطوير مسارات قانونية وآمنة للحركة والعمل والدراسة، بدل ترك الشباب رهائن لشبكات التهريب.

5. إخضاع التعاون الأمني والهجروي للشفافية والمساءلة واحترام القانون الدولي.

إن أوروبا لا تستطيع أن تطالب العالم باحترام حقوق الإنسان في كل مكان، ثم تقبل بأن تصبح حدودها الخارجية منطقة استثناء.

وإسبانيا، بما لها من تاريخ طويل في العلاقات مع المغرب، تستطيع أن تكون نموذجاً لعلاقة متوسطية جديدة، لا علاقة مركز بأطراف، ولا علاقة مانح بمتلقٍ، ولا علاقة شرطي بحدود، وإنما علاقة دولتين متجاورتين تتفاوضان من موقع الندية والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

في المقابل، على المغرب أن يواصل إصلاحاته الداخلية، وأن يجعل من الشباب قوة للبناء لا قوة للهروب، وأن يحارب الأخبار الزائفة وشبكات الاتجار بالبشر، وأن يفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقاً حقيقية للمشاركة والعمل والكرامة.

من جغرافيا الحدود إلى جغرافيا الكرامة

إن سبتة تختزل اليوم مأزقاً تاريخياً وجيوسياسياً واجتماعياً يتجاوز قضية الهجرة نفسها. فهي تكشف كيف يمكن للحدود أن تتحول إلى أداة تفاوض، وكيف يمكن للهجرة أن تنتقل من ظاهرة إنسانية إلى ورقة جيوسياسية، وكيف يمكن لاختلالات التنمية أن تتحول إلى نقاط ضعف في العلاقات الدولية. لكنها تكشف أيضاً شيئاً آخر: أن قوة المغرب في المستقبل لن تقاس فقط بقدرته على حماية حدوده، وإنما بقدرته على جعل مواطنيه، وخاصة شبابه، يشعرون بأن لهم مستقبلاً داخل وطنهم. وهنا يكتسب الطريق الرابع معناه الأعمق.

فالمطلوب ليس مغرباً يغلق أبوابه أمام شبابه، ولا مغرباً يدفعهم إلى الهجرة، وإنما مغرباً يفتح أمامهم أبواب المستقبل.

كما ان المطلوب ليس إسبانيا ضعيفة، وإنما إسبانيا شريكاً قوياً يتعامل مع المغرب كشريك قوي. 

لهذا فإن المعادلة الصحيحة ليست إسبانيا تحرس حدودها والمغرب يحرس شبابه. بل الدول تحمي حدودها، والمجتمعات تحمي كرامة الإنسان، والدبلوماسية تحمي التوازن، والتنمية تحمي المستقبل، وهذا هو جوهر «الطريق الرابع: رؤية والتزام». رؤية تنقل المغرب من موقع المتلقي للضغوط إلى موقع صناعة البدائل، والتزام يجعل من الإنسان والشباب والحقوق والتنمية والسيادة عناصر متكاملة في مشروع وطني جديد.

فحين يصبح للشباب مستقبل حقيقي في وطنه، وحين تصبح للدبلوماسية قدرة على التفاوض من موقع الندية، وحين تصبح حقوق الإنسان قاعدة مشتركة لا ورقة انتقائية، وحين تتحول الحدود من فضاء للتوتر إلى فضاء للتعاون، عندها فقط يمكن أن تتوقف الهجرة عن كونها «سلاحاً جيوسياسياً»، وتعود إلى أصلها: ظاهرة إنسانية واجتماعية تحتاج إلى سياسات إنسانية، وإلى تعاون مسؤول، وإلى علاقات دولية تقوم على الندية والاحترام المتبادل.

إن مستقبل العلاقة المغربية الإسبانية لن يُقاس بعدد الحواجز والأسلاك والكاميرات على الحدود، وإنما بقدرة البلدين على بناء حدود آمنة من دون أن تكون حدوداً للكرامة، وشراكة استراتيجية من دون تبعية، وتعاون أمني من دون التخلي عن حقوق الإنسان، ومستقبل للشباب لا يُبنى على الهروب، بل على الاختيار.

ذلك هو الطريق الرابع: أن تتحول الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة، وأن تتحول السيادة إلى قدرة على المبادرة، وأن يتحول الشباب من ورقة في صراع جيوسياسي إلى قوة لصناعة مغرب المستقبل.