« لو لم تكن الأديان موجودة، لقتل الفقراء الأغنياء »، انطلاقا من هذه الصيغة القاطعة المنسوبة إلى نابليون بونابرت نرى بأنها ليست تجديفا فحسب، بل إنها أقصى درجات البراغماتية السياسية للدولة، بحيث أن الإمبراطور، باني المؤسسات والمشرع، كان يدرك آنذاك بأن القانون وحده لا يكفي أبدا لاحتواء أهواء البشر، لكن يحتاج إلى موازن داخلي، وإلى سلطة أخلاقية تسبق العقوبة وتستبقها، وتلك السلطة هي بالضبط ما قدمته الأديان دوما للمجتمعات: خوف يتجاوز خوف رجل الشرطة.
تبعا لذلك، يجد هذا الحدس النابليوني صداه بوضوح في الخطاب السياسي المعاصر في المغرب، فبالرغم من تغير السياق، تبقى المعادلة قائمة: كيف نحافظ على تماسك جسم اجتماعي تمزقه الفوارق، وتسارع التحولات، وتآكل المرجعيات الجماعية؟ فالجواب لدينا في المغرب لم يبحث قط خارج إطار الدين، بل على العكس من ذلك، يحتل المرجع الديني مكانة مركزية في النقاش العمومي، بحيث أن الإسلاميون هم أول من جعلوا منه محورا أساسيا في خطابهم وضمن عملهم السياسي، لأنه بالنسبة لهم، كما لجزء واسع من الرأي العام، الدين ليس مجرد شأن روحي فحسب؛ بل ينبغي استغلاله وفهمه كأداة للضبط العمومي، وكلغة أخلاقية قادرة على منح معنى للقانون وتأطير السلوكات داخل المجتمع.
ضمن هذا السياق، لا يقتصر الدور الذي يلعبه معنى العقيدة الدينية على البعد الروحي، بكونه يشتغل كآلية حقيقية للتماسك، فحيث يضع القانون حدا خارجيا ويهدد بالعقوبة، تزرع العقيدة حدا داخليا وتستدعي الكف والنهي، وحيث يتدخل الحق بعد الفعل، تسبقه العقيدة فتمنعه قبل وقوعه، وفقا لهذا المعنى، تشتغل كمنظم اجتماعي: تربي، وتردع، وتقنن السلوك، وفوق ذلك تمنح الشرعية الأخلاقية للطاعة، ففي زمن تعجز فيه الإيديولوجيات السياسية عن التعبئة، وتتزايد فيه احتمالات فقدان الثقة في المؤسسات، يبدو هذا الدور ناجعا أكثر حسما في نظر من يرون في الدين آخر حصن في وجه التفكك الاجتماعي.
لكل هذه الأسباب، تطرح مسألة جوهرية بحد ذاتها أساس العقد الاجتماعي بحدة متجددة؛ هل يقوم أولا على القانون، بوصفه تعبيرا عن الإرادة العامة وعن إكراه الدولة؟ أم يقوم أولا على العقيدة، أي على استبطان المعايير وعلى فكرة حكم يتجاوز المحكمة؟ غير أنه من المختزل معارضة المصطلحين بشكل مباشر، فإذا كان القانون يعاقب، فإن العقيدة تمنع؛ وإذا كان القانون ينظم العيش المشترك بالإكراه، فإن العقيدة تجعله ممكنا بالرضا، وعلى هذا المفصل بالذات يؤسس الإسلاميون جزءا مهما من حجاجهم: فالمجتمع لا يصمد بالقوة القانونية وحدها، بل كذلك بقوة الضمير.
بناء على ذلك، تلزمنا عبارة نابليون، في عمق هذا النقاش، باليقظة والحذر في الآن ذاته، بحيث تذكرنا بأن على كل مجتمع أن يختار ما يمنعه من الانزلاق إلى الفوضى: الخوف من رجل الشرطة أم الخوف من الله، لأنه في الحالة المغربية، يثبت الواقع أن أحدهما لا يستغني عن الآخر، من هنا يكمن رهان النقاش الراهن: كيف نجعل من الدين رافعة للاستقرار، لا عائقا أمام حداثة الدولة، دون أن يتجاوز على الحريات ودون أن يحل محل القانون؟ لأنه في لحظة تظهر فيها حدود العديد من النماذج المستوردة، لا ينبغي أن ينصب التفكير على اختفاء الدين من الفضاء العمومي، بل على كيفية إدماجه كعامل للضبط و تحقيق السلم الاجتماعي.
تجدون التحليل الكامل في الفيديو أسفله:






