هناك فرق شاسع بين معارضة الحكومة ومعاداة الوطن، بين نقد السياسات والتشفي في البلد، وبين ممارسة الحق في الاختلاف وتحويل الأزمات الخارجية إلى فرصة لتصفية الحسابات الداخلية.
تبدأ الأزمة الحقيقية عندما يقع بعض السياسيين والمثقفين أسرى لخصوماتهم الضيقة، فيفقدون القدرة على التمييز بين المعركة السياسية والمعركة السيادية.
تراهم يدافعون بحماس عن سيادة الدول وحقوق الشعوب، ويرفعون أصواتهم ضد الاحتلال والتدخل والهيمنة، ثم تنقلب المعايير عندما يتعلق الأمر ببلدهم. فتتحول السيادة إلى موضوع للتشكيك، والانتماء الوطني إلى عبء أيديولوجي، والخصم الخارجي إلى طرف يستحق التفهم والتبرير.
وتزداد هذه المفارقة وضوحا حين يتحدث أصحاب هذا الخطاب بلسان فصيح عن كرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، ثم يصابون بالتحفظ والتوجس كلما تعلق الأمر بالمصلحة الوطنية. فيذودون بقوة عن خريطة تبعد آلاف الكيلومترات، ويضعون عشرات علامات الاستفهام والتشكيك عندما تكون الخريطة مغربية.
أي اتساق فكري يسمح بهذا الانقلاب في المفاهيم؟ هل السيادة حق للشعوب جميعا، أم مبدأ يتغير بحسب موقعنا السياسي من السلطة؟ وكيف يستقيم أن يرفض المرء التعدي على أرض الآخرين، ثم يلتمس الأعذار للضغط أو الاستهداف عندما يتعلق الأمر بأرض وطنه وحدوده؟
الحراك السياسي الرشيد يمنح مساحة واسعة للنقد والمعارضة والمحاسبة. فالأداء الحكومي قابل للنقد والسياسات قابلة للمراجعة، والمؤسسات خاضعة للمساءلة، والصناديق هي الوسيلة الديمقراطية لتغيير من يدير الشأن العام.
إن المعارضة الحقيقية تواجه القرارات داخل المجال السياسي والمؤسساتي، وتحول الخلاف إلى برنامج وموقف وممارسة ديمقراطية. وتدافع عن حقها في التغيير وهي تحافظ في الوقت نفسه على السقف الوطني الجامع. أما النضج الوطني فيكمن في إدراك أن الوطن هو الإطار الذي يمنح المشروعية للجميع. فالوزراء يرحلون والحكومات تتعاقب، بينما يبقى الوطن هو الأصل والشرط المسبق لوجود السلطة والمعارضة على حد سواء.
وهنا يرتسم الحد الفاصل بين النضج الوطني والمراهقة السياسية، حين تملك الشجاعة لتقول للحكومة أخطأت، وأن تملك في الوقت نفسه القدرة على حماية موقفك الوطني. وحين تختلف مع السلطة وتصـارعها بأدوات السياسة، وتخوض معاركك الانتخابية والفكرية بكل ما تملك من قوة، مع إبقاء المصالح الوطنية فوق الحسابات الحزبية والخصومات الظرفية. فالمعارضة يمكن أن تغير الحكومة، والانتخابات يمكن أن تغير موازين القوى، والأحزاب يمكن أن تتقدم أو تتراجع، أما الوطن فيبقى السقف الذي يتحرك تحته الجميع. وعندما يصبح هذا السقف نفسه مادة للخصومة، تتحول المعارضة من حق سياسي إلى خصومة مع الوطن.






