كثيراً ما كان يتساءل متأففا وسط رزم أوراق مبعثرة، ونظراته الحادة لا تنفك تحدجني في دلال:
"..ترى هل كان الجنرال خورخي سعيدا، حينما اختار هذا الصقع إقامة له..؟"
يرد عليه في اقتضاب:
"موقع هادئ .. محصن بالمياه شمالا وبالجبال جنوبا..أشبه بمحمية عسكرية… شهدت على مر التاريخ الكولونيالي معارك طاحنة، أبلت فيها المقاومة البلاء الكثير.."
لكم كان يروق له تفقد المجموعات المدرسية في عز الشتاء، ويعتبر ذلك اختبارا للتفاني في العمل والتضحية، رغم المعارضة الشديدة التي كان يلاقيها من قبل طاقم الجهاز التربوي الذي يسجلها في خانة (المباغتة والترصد).
والقصة التالية تدور رحاها بين الحسيمة وتارݣيست وصولا إلى إساݣن ومن ثم إلى تيزي تشن.. بشخوص تختلف صفاتهم المهنية، من القائد والمقدم والمدير والمخزني والسائق والمعلم… داخل بيئة جغرافية تتسم بقساوة الطبيعة ووعورة المسالك .
انطلاقة الحسيمة
كان يقطن حيا محاذيا لشاطئ كيمادو، يدعى"الباريو" ، في أحد أيام يناير الباردة، وفي جوف الليل، تناهت إلى مسامعه وقع خبطات على الباب مصحوبة بصراخ حاد:
"..آسي…مجدوب…آسي مجدوب! "
علم أنه هو بصوته وسعاله الحاد، فلم يجد بدا من ارتداء معطفه وتأبط محفظت البنية القديمة.
كانت سيارة Jeep هناك، يختلط دخان محركها بدخان سجائر سي الفرسيوي . شرعت قطرات المطر تصفع الزجاجة الأمامية، ونحن نجدّ طريقنا في اتجاه تارݣيست ، لا يلبث سي الفرسيوي يولع سجائره الواحدة تلو الأخرى، وهو يتلمس الطريق خلف نظارة طبية سميكة، كانت الدنيا من حوالينا متشحة بالبياض، وغبش الفجر يمد خيوطه في الأفق البعيد، لم نكن نعلم أنه الصقيع الذي يلف المكان، فغشيتنا موجة من الضباب، مترنحة ومتقطعة حينا، وكثيفة حينا آخر، على بعد كلمترات فقط من مدينة تارݣيست، حيث تناولنا فطورنا قبل أن نستكمل الرحلة صوب مركز إساݣن.
كانت الرحلة شاقة، بفعل منعرجات جبلية خطيرة، ولسعات البرد القارس التي شرعت تدب إلى أوصالنا، في منطقة شبه قفراء.
شعرت بدوار يأخذ برأسي، أغمضت عيني ودفنت رأسي بين ذراعي.. لم يكن الفرسيوي يأبه لحالي، ولا حانت منه التفاتة إلي، لكن سرعان ما غمْغمت إليه:
-"نوقفو شويا، آسي الفرسيوي.."
رد علي والأبخرة تتدافع من جوفه، لم أكن أدري أهي لسجائره أم لفوارة برودة الطقس..أم هما معا:
-"غير صبر شويا… قرابين نوصلو…"
-"واخا غير خمس دقائق…"
زمجر بصوت هادر:
-"واش بغيتينا نموتو بالبرد.. يقدر لموتور ما يديماريش وهذيك هيا لحصلا لكبيرة..اصبر..اصبر..اصبر مابقا والو" .
مفاجأة من العيار الثقيل
بحلولنا بمركز إساݣن ، ارتأينا تقاسم المهام، على أن أقوم بزيارة فرعية هناك، فيما يذهب الفرسيوي إلى مركز القيادة، لتدبير أمر تنقلنا إلى مدرسة بتيزي تشن بأعماق الريف.
قادني أحد أعوان السلطة إلى مسلك المدرسة التي بدت جاثمة خلف أشجار الصنوبر، كانت عبارة عن حجرة دراسية مستقلة، أخذت أكوام الثلوج تحاصرها، لم يتبق منها سوى بوابة خشبية مهترئة ضيقة، ودخان يتعالى من إحدى جنبات سقف قرمودي من الطراز القديم.
فوجئت، وأنا بعتبتها، ببضعة غلمان (تلاميذ) يتحلقون حول كومة أخشاب تتقد نارا، أعينهم مسمرة على ألسنة اللهب، تدمع من شدة الأدخنة التي كانت تملأ الحجرة.
سألت بلهجة صارمة:
-"فين مشا المعلم ديالكم…؟!"
أخذوا يتبادلون نظرات بريئة، وهم مترددون، أيحجمون عن الاصطلاء بالدفء ، أم يعودون إلى طاولاتهم، وفيما هم كذلك إذا بشخص يلج الحجرة على أثري ويقف أمامي بنظرات؛ قرأت فيها الكثير، بادرني قائلا في توجس:
-"الأستاذ…الأستاذ..سمح لي كنت كنقلب على الغلاي .."
قاطعته بلهجة التحدي:
-"الغلاي..!باش الطيب أتاي؟!...آجي بعدا..منين جاك لخشب باش شعلتي العافيا…"
-"كنت خايف…يموتو لي التلاميذ… مافيدّيا…إلا…"
لم يقو على التلفظ بها، فنهرته:
-"كيفاش…مابان ليك غير طبلة ديال المخزن ، واش ماعندكومش لحطب..؟!!"
بقي صامتا، وأعينه تتنقل من بين لوحات تتقد جمرا، وسبورة تحمل كتابة باهتة لحصة قراءة بعنوان (في الطائرة)!
بمقر قيادة إساݣن
على الفور، التحقت بالفرسيوي ،داخل مقر القيادة، كان المبنى من الطراز الإسباني القديم، مع توسيع لبعض جنباته، يغمرك الإحساس بالدفء وأنت تذرع ردهاته والتي تعرف حركة دؤوبة، بفعل الشيوخ والمقدمين والمخازنيا والمواطنين، يغدون ويروحون، أشار إلي بعضهم بالانضمام إلى الفرسيوي الذي كان ينتظر قائد المنطقة، مال علي هامسا، وأنا اقتعد إلى جواره:
-"راني غادي نتفرݣع…!"
-"علاش ياك لاباس…"
-"الكميان ممنوع..خفت نخرج نكمي ويدخل القايد…"
-"غير سير…محدني هْنايا "
ولسوء حظه، ما إن هم بمغادرة المكتب حتى لقي القائد يدخل في عجلة من أمره، كان ذا بنية نحيفة، يمسك في إحدى يديه "الصانفيل" ملوحا بأخرى، وقضيب السيجار يرتجف بين أصابعه، يلغط..يتوعد..يأمر…وقبل أن يستوي في أريكته التفت إلى الفرسيوي معاتبا:
-"هذا الناس زاغو بزاف…والمخزن ولله الحمد فالبلاد..إلى ماغاديش يقريو ولاد الشعب، غادي ندير اللازم.."
الفرسيوي مقطبا:
-"علاش احنا جينا آسعادة القايد… واخا فهذا شليمان دلبرد.."
-"كولشي ليتحتاجوه موجود.. الطوموبيل معا الشيفور والمقدم والمخزني، غير حمرونا لوجه".
على الفور ظهرت في الباحة سيارة مرسيدس لماعة، وكأنها خرجت للتو من مصنعها ، اعتقدوا في البداية أنها لمسؤول موفد من وزارة الداخلية.
في الطريق إلى تيزي تشن
كنا خمسة، بالتحاق المقدم والمخازني ومدير المجموعة المدرسية، إضافة إلى السائق. لم أر مثيلا لوعورة الطريق، فبدت المرسيدس تشق طريقها بمنعرجات وسط الأدغال، أشبه بأفعى تترصد ضحاياها، لم ينفك السائق عن السيجار الذي يعب منه وينفث داخل فضاء السيارة، بإحدى أصابعه اليسرى كان يلمع فص خاتم ذهبي ضخم، مِلت على المدير بجواري هامسا:
-"من تكون هذه الشخصية؟!"
مطط شفتيه قبل أن يجيب:
-"من ياترى أن يكون…(العربي الباندا) كان تلميذا فاشلا، ترك الدراسة منذ أن التحقت بهذه المجموعة، لكن لم يلبث أن تعاطى…"
سكت قليلا وهو يحدق في مرآة السائق:
-"العشبة..هي التي بوأته هذه المنزلة حتى صار من المقربين أصحاب النفوذ…". ساد صمت رهيب ونحن نعبر الجداول والسواقي بحذر شديد، وسط أحراش غابوية كئيبة، لكن فجأة نظر السائق في المرآة مزمجرا:
-"شوفو آشرفا..خاصكوم تربيو مزيان الأساتذة دياولكم…ويلا مقدرتوش.. راني غادي ندير اشرع يديا…غير هادي سيمانا باش تعشينا فدار البصري… راكو عارفين اشكون هوا البصري.."
سارع الفرسيوي إلى استفهامه:
-"واش كيغيبو… ولا مخدامينش مزيان..؟"
قاطعه السائق، ملوحا بسيجاره:
-"لا…لا…ماشي هكدا…آش جابهوم يهدرو على الحلال والحرام…ويقولو للتلاميذ بيلي هدا اجوامع تبنات بلفلوس ديال "الكيف" …"
أعقبتها نظرات الاستغراب، تبادلها الجميع في صمت .
ما إن أشرفنا على منحدر صخري، عند مفترق طرق موحلة بالطمي.. حتى كسر المقدم ذلك الصمت المريب قائلا بصوت متهدج مشيرا إلى مكان ما:
-"عاد البارح جبرو جوج مقتولين هنا…قدّام ديك الصخرة، واحد بالموس والاخور مشنوق" ، أردفه المخازني:
-"تقريباً يوميا حوادث القتل..فهدا لبلاصا..بحال الطريق الحريري للكيف… وعقد الصفقات بين المهربين.." ، قاطعه السائق بتأفف ، محاولا تغيير مسار الحديث:
-"راه احنايا قرابين للمدرسة.. ولكن باين ليا مزال عندهم لعطلة!..هادي شهر…"
انتابتنا الدهشة، أنا والفرسيوي، ونحن على مشارف تيزي تشن، لم يبد لنا أثر للتمدرس هناك.. كانت هناك أربع حجرات من البناء المفكك tres fabriqué ، بدت أبوابها موصدة، علت إحداها مدخنة، تراءت لنا من بعيد وهي تقذف بأدخنتها في مهب رياح عاصفة.
توقفت السيارة، وترجلنا أنا والفرسيوي في اتجاه إحدى الحجرات، وفي أثرنا كان المدير يخطو بخطوات متثاقلة. طرقنا الأبواب واحدة تلو الأخرى، فلا أثر لتلميذ ولا معلم… لم يكن من الفرسيوي إلا أن استوقف المدير، ونهره قائلا:
-"كيفاش عندك هدا الكارثة وانتا ساكت عليها… دابا نتفاهمو من بعد…".
أدرت مغلاق حجرة، ألفته مفتوحا، ولجت إلى الداخل، سرحت ناظري إلى السبورة، فوجدتها تحمل تاريخا يعود إلى الماضي بشهر كامل، عمدت إلى منضدة هناك، كانت مغبرة لا تحمل سوى أنبوب قصير من الكواتشو، فتحت الدرج، وعثرت على قناة خشبية ذات رأس محدبة، معدة لتدخين….
عدت أدراجي، فيما كان المدير يتقدم صوب باب بدا منفرجا، أخذ يطرقه بشدة، أحياناً يصرخ بصوت مبحوح:
-"آسي الحشلوجي…آلحشلوجي… الحشلوجي.."
تواصلت الطرقات والكل يترقب، وعلى حين غرة فتح الباب..وظهر شخص ملتح، كادت لحيته المصفرة أن تأتي على سطيحة وجهه بالكامل، فغر فمه، وعيناه تنظر إلى الأفق البعيد وكأنه أحول، ظهرت سن بارزة، ربما كل ما تبقى له في فمه:
-"آشكون… مزالا العطلة…"
فردعه المدير متوعدا:
-"ياك آسي الحشلوجي…شحال هدي باش تسالات العطلة…خاصكوم اقتطاع كبير". ما إن انتهى إلى مسامعه كلمة (اقتطاع) ، حتى سارع إلى المهادنة:
-"شيباس مكاين آسي العياشي..آش الدانا لشي اقتطاع…" ، لكن الفرسيوي التفت إلى المدير مقطبا، وبصوت متهدج:
-"غادي تجي عندي غدا للحسيمة، وهدا ارْباعا دلمجرمين جيب فيديك لملفات ديالهوم باش يدار ليهم توقيف الحوالة ويدوزو فمجلس التأديبي…"






