الشجرة لا تسقط إلا بضرب عروقها. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من وراء محاولة إسقاط شجرة الأمة المغربية، ومن له مصلحة في إضعافها وضرب جذورها؟
قد يظل السؤال بلا جواب ما دمنا نسبح تائهين في وطن يمشي بسرعتين؛ سرعة مغرب يريد أن يصنع لنفسه موقعًا متقدمًا في محيط إقليمي ودولي متغير، وسرعة واقع داخلي ما زال مثقلًا بالاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وبين السرعتين، عجزت حكومات متعاقبة، على اختلاف مرجعياتها وأيديولوجياتها، عن الوصول بنا إلى بر الأمان. اختلفت الحكومات، واختلفت شعاراتها، لكن النتيجة كثيرًا ما كتبت بالحروف الغليظة نفسها: الفشل.
فشل لم تنفع معه لا رقية أصحاب الدين، ولا العصا الذهبية لأصحاب المال والأعمال.
وهذا الوضع الداخلي، بكل ما يحمله من اختلالات وفجوات، يجعلنا موضوعًا مغريًا لكل من يتربص بنا شرقا، ولكل من يراقبنا شمالًا بعين المصالح والحسابات. فالدول لا تتحرك في عالم مثالي، والسياسة الدولية لا تقوم على حسن النيات وحدها؛ إنها في النهاية صراع مصالح ومواقع ونفوذ.
ولأن الجاني، كما يقال، غالبًا ما يعود إلى مسرح الجريمة، فإن النظر إلى ما يجري في محيطنا لا يمكن أن يكون منفصلًا عن تاريخ العلاقات المغربية مع بعض القوى الأوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا، التي ظلت علاقتها بالمغرب تتأرجح بين التوتر والتقارب، وبين المصالح المتبادلة وحسابات القوة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم القلق من أن تتحول بعض أدوات الضغط من المواجهة المباشرة إلى محاولات تستهدف عروق القوة نفسها.
من الخارج إلى العروق
الهجوم غير المبرر، في نظر كثير من المتابعين، على ركائز الأمن المغربي لا يمكن أن يمر مرور الكرام، خصوصًا عندما يأتي في سياق متراكم من الضغوط والاتهامات والحملات التي تمس صورة المؤسسات الأمنية ودورها.
ولعل إحدى أولى الإشارات التي جعلت هذا الملف أكثر حساسية قضية برنامج التجسس بيغاسوس، وما رافقها من اتهامات للمغرب باستعمال البرنامج، وهي اتهامات ظل المغرب ينفيها.
وبغض النظر عن المواقف المتباينة من هذه القضية، فإنها كشفت أن المواجهات الحديثة بين الدول لم تعد تحتاج بالضرورة إلى الدبابات. هناك معارك تدور في الفضاء السيبراني، وأخرى في الإعلام، وأخرى حول المعلومات والصورة والرواية.
الحرب الحديثة لا تكتفي بضرب المواقع؛ إنها تحاول أحيانًا ضرب الثقة.
وحين يكون الهدف دولة، فإن ضرب الثقة في مؤسساتها قد يكون أكثر خطورة من ضرب منشأة مادية.
فالمؤسسة التي يفقد المواطن ثقته فيها تصبح أضعف، حتى وإن بقيت قوية في بنيتها المادية.
وهنا يصبح الأمن واحدًا من أهم العروق التي لا يمكن تجاهلها.
إسبانيا وتغيير أدوات الضغط
ولأن الحرب كر وفر، فإن تغيير الأدوات لا يعني بالضرورة تغيير الأهداف.
لقد غير التقارب المغربي الأمريكي زاوية الرؤية وأعاد ترتيب عدد من الحسابات الدولية المتعلقة بالمغرب. والمغرب، بما راكمه من شراكات وعلاقات استراتيجية وحضور متزايد في محيطه الإفريقي والإقليمي، لم يعد يتحرك في الهامش.
لكن اتساع هامش الحركة المغربية يعني أيضًا اتساع دائرة من يراقبونها، ومن ينافسونها، ومن قد لا يرغبون في أن تتحول هذه القوة المتنامية إلى نفوذ يصعب احتواؤه.
ولهذا، إذا تعذر الاقتراب من المغرب من بوابة المواجهة المباشرة، يصبح البحث عن مسارات أخرى أمرًا مفهومًا في منطق الصراع بين الدول.
ومن هنا تبرز المؤسسات الأمنية.
فهي ليست مجرد إدارات عادية، وإنما إحدى أهم ركائز حماية الدولة ومصالحها الاستراتيجية. وكل محاولة لضرب صورتها أو التشكيك المستمر في رموزها يمكن أن تتحول، في نهاية المطاف، إلى محاولة لضرب جزء من قدرة الدولة على حماية نفسها.
لماذا الحموشي والمنصوري؟
حين تتكرر الحملات التي تستهدف أسماء تقع في قلب المنظومة الأمنية المغربية، وعلى رأسها عبد اللطيف الحموشي وياسين المنصوري، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا هذه الأسماء تحديدًا؟ ولماذا هذا التكرار؟ ولماذا في هذا التوقيت؟
لا يعني طرح السؤال أن الرجلين فوق النقد أو أن المؤسسات الأمنية يجب أن تكون بمنأى عن المساءلة.
على العكس، المؤسسة القوية هي التي تقبل المحاسبة حين تثبت الوقائع، والدولة التي تحترم نفسها لا تمنح أحدًا حصانة مطلقة من القانون.
لكن ثمة فرقًا بين النقد والاستهداف.
فرق بين تحقيق صحفي يستند إلى وثائق ومعطيات قابلة للتحقق، وبين حملة تتغذى على التسريبات والاتهامات والتكرار.
وفرق بين مساءلة مؤسسة، وبين السعي إلى ضرب الثقة فيها.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر دقة.
إذا كانت هناك تجاوزات، فلتكشف.
وإذا كانت هناك أدلة، فلتقدم.
وإذا كانت هناك مسؤوليات، فليتحملها أصحابها.
أما أن تتحول الاتهامات إلى حقائق بمجرد تكرارها، فذلك ليس من المهنية في شيء.
حين تصبح بعض الأقلام جزءًا من المعركة
المقلق أكثر أن بعض الأقلام والمواقع قد تنخرط في هذا المسار وهي لا تعرف بالضرورة من يقف خلفه أو ما الغاية النهائية منه.
ففي زمن المعلومات السريعة، لا يحتاج صاحب المصلحة دائمًا إلى كتابة المقال بنفسه.
قد يكفي أن يضع المعلومة أمام صحافي مستعد للنشر.
وقد يكفي أن يدفع بوثيقة مبتورة إلى الواجهة.
وقد يكفي أن يخلق قصة، ثم يترك للآخرين مهمة تضخيمها.
وهنا يصبح الصحافي أمام مسؤولية مهنية لا تسمح بالتسرع.
من أين جاءت المعلومة؟
لماذا ظهرت الآن؟
من المستفيد من انتشارها؟
هل يمكن التحقق منها؟
وهل نحن أمام معلومة صحفية أم أمام قطعة من رواية أكبر لم نعرف بقية فصولها؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا.
إنها صميم العمل الصحفي.
فالإعلام الذي لا يتحقق قد يتحول، دون أن يريد، إلى أداة في يد من صنع المعلومة.
والقلم الذي يهاجم مؤسسة حساسة دون معرفة خلفيات الملف قد يجد نفسه، من حيث لا يدري، يضرب في العروق التي تقوم عليها الشجرة التي يعيش هو نفسه في ظلها.
ليست كل معارضة مؤامرة
ومع ذلك، يجب ألا نقع في الخطأ المقابل.
ليس كل نقد للمؤسسات الأمنية مؤامرة.
وليس كل صحافي ينتقد مسؤولًا أمنيًا مأجورًا.
وليس كل تحقيق أجنبي يستهدف المغرب.
الوطنية لا تعني إغلاق باب الأسئلة، كما أن الديمقراطية لا تعني فتح الباب أمام كل اتهام بلا دليل.
المعيار الوحيد الذي ينبغي أن يحكم هذه المساحة هو الحقيقة.
الدليل.
التحقق.
المهنية.
فإذا كان هناك من يملك ما يدين مؤسسة أو مسؤولًا، فليضعه أمام الجهات المختصة.
وإذا كان الاتهام بلا أساس، فإن نشره وتحويله إلى حقيقة لا يصبح ممارسة صحفية لمجرد أنه صدر في مقال أو تقرير.
المعركة الحقيقية، إذن، ليست بين من يحب المغرب ومن يكرهه.
إنها بين الحقيقة والتضليل.
حماية العروق قبل سقوط الأغصان
المغرب ليس بحاجة إلى شجرة مقدسة لا يجوز لمسها.
بل يحتاج إلى شجرة قوية.
والشجرة القوية لا تخشى تقليم أغصانها اليابسة، لكنها لا تسمح في الوقت نفسه لمن يريد إسقاطها بأن يضرب عروقها في الظلام.
تقوية المغرب لا تكون بالشعارات، ولا بتحويل كل منتقد إلى عدو، ولا بمنح المؤسسات حصانة من المساءلة.
كما لا تكون بترك المؤسسات السيادية نهبًا لكل حملة مجهولة المصدر.
تكون بإصلاح الاختلالات الداخلية التي تجعل الدولة أكثر هشاشة، وباستعادة ثقة المواطن، وبحماية المهنية الصحفية، وبقوة المؤسسات، وبخضوع الجميع للقانون.
أما في ما يتعلق بالأمن، فإن المطلوب واضح: مؤسسات قوية، يقظة، قادرة على حماية الوطن، وفي الوقت نفسه خاضعة للقانون والمساءلة.
فإذا كان هناك من يريد ضرب الشجرة المغربية، فلن يستطيع ذلك بمجرد هز أغصانها.
المشكلة تبدأ فقط حين تنجح الضربات في الوصول إلى العروق.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: من يريد إسقاط الشجرة؟
بل أصبح أيضًا: كيف نحمي عروقها؟
فالأشجار الكبيرة لا تسقط بسهولة، لكن سقوطها يبدأ دائمًا من مكان لا يراه العابرون.
من الجذور.






