إصرار غريب على التطبيع مع الفساد السياسي والمالي إلى أبعد الحدود ، يظهر من خلال " جذبة " الترشيحات والتزكيات ومنح الموافقات الأولية للانتخابات التشريعية 2026 ، إذ يعاد تدوير الأسماء نفسها ، وتتسابق بعض الأحزاب على طرق أبواب المرشحين أنفسهم ، وطلب ودهم ، ومنحهم التزكيات على طبق من ذهب، ولتذهب خطابات التخليق إلى الجحيم .
في عدد من الدوائر ، تلهث بعض الأحزاب وراء الذي بإمكانه " الدفع " أكثر للعملية الانتخابية ، وليس الدفع بها ، ويستطيع أن " يغطي " جميع الأحياء والمداشر والمناطق السكنية ، ويرش " الناخبين بكرمه وجوده ، أو الذي لا يحتاج إلى حملات سابقة ، أو لاحقة ، وبرنامج انتخابي ومهرجانات الخطابة وطوابير سيارات ومناشير ومطبوعات وفرق للدعم .
أحزاب تبحث عن السهل الممتنع ، وتطارد هذا النوع من المرشحين من " كاملي الأوصاف " ، الذين يتوفرون على جميع ضمانات الفوز بالمقعد باستعمال " محافظ نقودهم " ، أو ما يطلق عليه " الضامن بشكارتو " ، الذي يعتبر الحصان الرابح في نظر كثير من التنظيمات السياسية ، والباقي مجرد هراء ، ولو تعلق الأمر بخطابات التشبيب وتشجيع الكفاءات وفسح المجال للأطر ، أو كلام من قبيل استعادة ثقة الناخبين أو رفع نسبة المشاركة .
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل ، افتتحت بعض الأحزاب السياسية ، وكل المغاربة يعرفون هذا البعض ، " بورصة " التزكيات للترشح لهذه الاستحقاقات ، وبدأت التحركات داخل أحزاب التغول لاستقطاب أصحاب الشكارة ، وأعيان الانتخابات في مختلف الجهات ، وهي الأسماء نفسها التي ظلت حاضرة في المشهد السياسي لعقود .
لم يعد توزيع التزكيات داخل الأحزاب السياسية إياها مجرد مجرد إجراء تنظيمي عادي يسبق الاستحقاقات ، بل تحول إلى لحظة كاشفة تختبر فيها مصداقية الحزبي ، وحدود التزامه بالديموقراطية الداخلية وقدرته على تجديد النخب ، لأنها تشكل لحظة الفرز الحقيقي بين من يؤمن بالسياسة أداة لخدمة الصالح العام ، ومن يراها مجرد وسيلة للتموقع واقتناص الفرص .
فبدل أن تشكل الانتخابات فرصة لتجديد النخب وضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة ، يبدو أن الأحزاب إياها اختارت مجددا الرهان على الوجوه ذاتها ، التي تنتقل من حزب إلى آخر بحثا عن تزكية انتخابية أو موقع متقدم في اللوائح، في مشهد يعكس أزمة عميقة في حياة الحزبية المغربية.
لقد تحولت بعض الأحزاب، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي ، إلى فضاءات لإعادة تدوير النخب نفسها ، بغض النظر عن حصيلتها السياسية أو مدى قدرتها على تقديم مضافة للعمل التشريعي أو تدبير الشأن العام . والأخطر من ذلك أن معيار الكفاءة والخبرة أصبح ، في كثير من الأحيان ، ثانويا أمام اعتبارات النفوذ الانتخابي والقدرة على جلب الأصوات ، وهو ما يفسر استمرار الأسماء ذاتها في الواجهة رغم تغير الانتماءات والشعارات .
هذا الواقع يكشف عن خلل بنيوي داخل الأحزاب السياسية ، الأحزاب إياها ، التي يفترض أن تكون مدارس لتأطير المواطنين وتكوين الأطر وإعداد القيادات المستقبلية . غير أن ضعف الديموقراطية الداخلية ، وغياب آليات حقيقية لتشجيع الكفاءات الشابة وهيمنة منطق الولاءات والمصالح الانتخابية الضيقة ، كلها عوامل ساهمت في إفراغ العمل الحزبي من إحدى وظائفه الأساسية ، وفي إنتاج نخب جديدة قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعرفها البلاد .
لا يتعلق الأمر ، فقط بأشكال تجديد الوجوه ، بل بتجديد الأفكار والرؤى أيضا ، فالمواطن ، الذي يتابع المشهد السياسي ، يلاحظ أن الأسماء نفسها تتكرر في كل محطة انتخابية ، وأن كثيرا من المنتخبين يعودون إلى الواجهة رغم ضعف أدائهم أو غيابهم عن القيام بالأدوار المنوطة بهم داخل المؤسسات المنتخبة ، وهو ما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والأحزاب ، ويغذي الشعور بأن الانتخابات أصبحت مجرد عملية لتبادل المواقع بين الفاعلين أنفسهم .
إن نجاح أي تجربة ديموقراطية يظل رهينا بقدرة الأحزاب على تجديد نخبها وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والطاقات الجديدة ، وليس بالاكتفاء بإعادة تدوير الأسماء نفسها كل خمس سنوات ، فالمغرب في حاجة إلى نخب سياسية تمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية ، وقادرة على تقديم أجوبة حقيقية عن التحديات التي تواجه البلاد ، بدل " الترحال السياسي " و " الوجوه المحروقة " الذي يزيد من تكريس الوضع القائم .
وأمام الرهانات الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة ، فإن أكبر امتحان يواجه الأحزاب السياسية اليوم ليس فقط الفوز بالمقاعد ، بل إثبات قدرتها على إنتاج جيل جديد من القيادات السياسية المؤهلة لتدبير الشأن العام . أما الاستمرار في إعادة تدوير الأسماء نفسها ، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وتوسيع الهوة بين السياسة والمواطنين .
من السهل أن نلاحظ اليوم ، حالة التخبط التي تعيشها أحزاب بعينها ، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه ، وعليها أن تختار بين توجه للتخليق والتشبيب غير مضمون النتائج بالنسبة إليها ، وبين مسار " الفرقشة " ، المضمون نسبيا ، لكن كلفته ستكون باهظة على الجميع .






