مجتمع وحوداث

مسار مشروع قانون المحاماة من التصويت إلى الإحالة

حميد النهري (أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي)
يبدو أن قانون المحاماة مقدَّرٌ له أن يكون أكثر من مجرد قانون ينظم مهنة. لقد أصبح، محطة بعد أخرى، قانوناً كاشفاً: يكشف طريقة صناعة التشريع، وحدود الأغلبية، ومستوى الحوار بين الدولة والمؤسسات المهنية، واليوم يكشف أيضاً جودة المسار التشريعي نفسه وقدرة المؤسسات على استيفاء المتطلبات الأساسية للرقابة الدستورية.


ففي مرحلة أولى، كشف هذا القانون مشكلةً في منهج صناعة القرار التشريعي، حين تحوّل امتلاك الأغلبية العددية من وسيلة ديمقراطية للحسم إلى ما بدا، في نظر كثيرين، بديلاً عن بناء التوافق حول إصلاح يمس إحدى مؤسسات العدالة. وطرحتُ آنذاك السؤال: هل ما زال البرلمان يصنع التشريع، أم أننا ننتقل تدريجياً من سلطة التشريع إلى سلطة التمرير؟


واليوم، يفرض القانون نفسه علينا سؤالاً ثانياً ربما أكثر إحراجاً.


فحين يتعذر على المحكمة الدستورية أن تنظر في قانون أثار أشهراً من الاحتقان والنقاش والاحتجاج، لا بسبب خلاف دستوري عميق أو صعوبة في تأويل النص، وإنما لأن رسالة الإحالة لم تكن مرفقة بنسخة مطابقة لأصل القانون النهائي المطلوب مراقبته، فإننا ننتقل من سؤال جودة القرار التشريعي إلى سؤال جودة إدارة القرار التشريعي نفسه.


وقد يبدو ما وقع مجرد ورقة ناقصة. لكنه ليس كذلك. لأن الورقة الناقصة هذه المرة هي القانون نفسه في صيغته النهائية التي كان ينبغي أن تكون محل الرقابة الدستورية.


ولذلك فإن قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د الصادر يوم الاثنين 10 غشت 2026، في الملف عدد 317/26، لا يثير فقط سؤالاً حول شروط الإحالة، بل يعيد، مرة أخرى، قانون المحاماة إلى وظيفته غير المقصودة: أن يكون مرآةً تكشف أعطاباً أوسع من موضوعه الأصلي.


ماذا وقع بالضبط

المعطيات كما وردت في القرار نفسه بسيطة في ظاهرها. وافق مجلس النواب على النص في قراءة ثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، ثم وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز. وفي 8 يوليوز، سُجّلت بالأمانة العامة للمحكمة الدستورية رسالة رئيس مجلس النواب يطلب فيها البت في مطابقة القانون للدستور.


غير أن الرسالة أُرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وهو تقرير يتضمن، ضمن ما يتضمنه، النص كما وافق عليه مجلس النواب يوم 6 يوليوز. أما النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين يوم 7 يوليوز، أي الصيغة النهائية للقانون، فلم يُرفق.


وقد بنت المحكمة قرارها على قاعدة صاغتها بوضوح: الفصل 132 من الدستور، حين نص على أن القوانين «تُحال» إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقتها للدستور، إنما أقام تلازماً عضوياً بين فعل الإحالة وبين النص موضوع المراقبة. ومن ثم فإن رقابتها لا تنصبّ إلا على القوانين بعد تمام الموافقة عليها، لا على مشاريع القوانين ولا على تقارير اللجان الدائمة والأعمال التحضيرية. وخلصت إلى أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعاً قانونياً يحول دون البت.


لماذا لا يمكن اختزال الأمر في «خطأ شكلي»

سيقال، ولا شك، إن الأمر لا يعدو خطأً إجرائياً في الإرفاق. والجواب أن الخطأ إجرائي في طبيعته، نعم، لكنه ليس بسيطاً في دلالته ولا في نتيجته.


فنحن لا نتحدث عن غياب مرفق ثانوي أو وثيقة إدارية تكميلية. نتحدث عن النص النهائي للقانون، أي عن الشيء الذي قامت المسطرة الدستورية كلها من أجله. وحين تصف المحكمة العلاقة بين الإحالة والنص بأنها «تلازم عضوي»، فهي تقول عملياً إن الوثيقة الغائبة ليست ملحقاً بالملف، بل هي الملف.


المشكل إذن شكلي من حيث مصدره، لكنه دستوري من حيث أثره؛ فالخطأ وقع في وثيقة، لكنه عطّل وظيفة رقابية كاملة لمؤسسة دستورية.


ثم إن هناك معطى في القرار يستحق التوقف عنده. فالإحالة سُجّلت بالأمانة العامة للمحكمة الدستورية يوم 8 يوليوز، ولم يصدر القرار إلا يوم 10 غشت، وخلال هذه المدة توصلت المحكمة بملاحظات كتابية من عدد من أعضاء مجلسي البرلمان، ومن رئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين. ومع ذلك ظل النقص المتعلق بالنص النهائي قائماً إلى لحظة البت.


وهذا لا يسمح بتوزيع المسؤوليات دون معطيات إضافية، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول آليات ضبط ملف الإحالة وتتبع اكتماله داخل المسار المؤسساتي: كيف بقي النقص قائماً طوال هذه المدة في ملف يتعلق بقانون بهذه الحساسية؟


من سلطة التمرير إلى سؤال الجودة

إن وجود أغلبية عددية قادرة على تمرير النص لا يعني بالضرورة أننا أمام صناعة تشريعية جيدة. فوظيفة البرلمان ليست التصويت فقط؛ التصويت هو اللحظة الأخيرة من التشريع، أما التشريع فهو نقاش، وخبرة، وتدقيق، واستماع، وتعديل، وبحث عن توافق كلما تعلق الأمر بنصوص بنيوية تمس مؤسسات العدالة والحقوق والحريات.


ومن هنا جاءت الملاحظة التي طُرحت آنذاك: حين تصبح الأغلبية العددية بديلاً عن جودة النقاش التشريعي، نكون أمام مؤسسة تمرّر النصوص أكثر مما تصنعها.


لكن قرار 10 غشت يضيف اليوم مستوى ثانياً. فالمسألة لم تعد فقط أن الأغلبية حسمت الخلاف بقوة العدد رغم حجم الاعتراض، وإنما أن النص الذي حُسم بهذه الطريقة لم يصل إلى مؤسسة الرقابة الدستورية في صورته القانونية الصحيحة.


ذلك أن جودة التشريع لا تُقاس بجودة صياغة النص وانسجام مواده ودراسة أثره وقابليته للتطبيق فحسب. إنها تشمل أيضاً سلامة المسار المؤسساتي للنص: تتبع نسخه، وضبط تعديلاته، وتحديد صيغته النهائية بدقة، وسلامة انتقاله بين المجلسين، ثم سلامة إحالته على المحكمة الدستورية. وهذا الجانب الأخير، الذي يبدو تقنياً وإدارياً، هو الذي سقط هذه المرة.


لا نحاكم النيات… نسائل جودة المؤسسات

وينبغي أن نكون واضحين هنا: لا يوجد في القرار ما يسمح بإثبات أي قصد، ولا ينبغي أن نتبنى تفسيراً لا دليل عليه. فالمحكمة نفسها لم تصف ما وقع إلا بلغة قانونية محايدة.


لكن في المقابل، لا ينبغي أن نكتفي بالقول: «مجرد خطأ، وانتهى الأمر».


فبين نظرية المؤامرة ونظرية الخطأ الإداري العابر توجد مساحة أساسية في دولة المؤسسات اسمها المساءلة المؤسساتية. من حق الرأي العام أن يعرف ماذا وقع، ولماذا وقع، وكيف وقع، وما الآليات التي ستمنع تكراره. ومن حق البرلمان نفسه، بوصفه مؤسسة، أن يقدم تفسيراً يحمي صورته.


لأن المشكلة ليست فقط في وقوع الخطأ، وإنما في أن وقوع خطأ بهذه الطبيعة في ملف بهذه الحساسية يحتاج إلى تفسير مؤسساتي؛ وإلا فإن الصمت هو الذي سيصنع التأويل. فحين لا تقدم المؤسسات تفسيراً واضحاً للأخطاء غير المعتادة، يملأ التخمين الفراغ.


وماذا عن المحكمة نفسها؟

يبقى، مع ذلك، سؤال فقهي مشروع: هل كان يمكن تدارك النقص قبل انتهاء أجل البت؟


المحكمة تبنّت في قرارها قراءة صارمة لشروط انعقاد ولايتها. فقد اعتبرت أن رقابتها السابقة الاختيارية لا تمارَس إلا وفق الشروط والكيفيات التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي، وعلى أساس الوثائق التي تحيلها عليها الجهة المختصة. ومن ثم، انتهت إلى أن غياب النص النهائي المطابق للأصل يشكل مانعاً قانونياً يحول دون البت في الإحالة على حالها، من دون أن تتولى استكمال محل الرقابة من تلقاء ذاتها.


ويمكن الدفاع عن هذا الاختيار باعتباره تطبيقاً دقيقاً لحدود الولاية الدستورية وحمايةً لحياد القاضي الدستوري؛ فالمحكمة تراقب النص الذي أُحيل إليها، ولا تُنشئ بنفسها محل الرقابة.


لكن ذلك لا يمنع الفقه من طرح سؤال أوسع حول العلاقة بين صرامة الشكل وفعالية الرقابة الدستورية، خاصة عندما يكون النقص قابلاً من الناحية المادية للاستدراك، ويتعلق بقانون ذي حساسية حقوقية ومؤسساتية كبيرة.


وهنا سيكون القرار، على الأرجح، مادة خصبة للنقاش الفقهي مستقبلاً: ليس لأن تعليل المحكمة غائب، بل لأن الخيار الذي تبنته يؤسس لفهم صارم لشروط انعقاد ولايتها في الرقابة السابقة الاختيارية.


وماذا بعد قرار المحكمة؟ الإحالة ممكنة… لكن من سيتحمل مسؤوليتها؟

لكن قرار المحكمة لا يطرح سؤال الماضي فقط: كيف وصلت الإحالة ناقصة؟ بل يفتح أيضاً أسئلة صعبة حول اليوم التالي للقرار.


ومن الناحية القانونية الصرفة، المحكمة لم تقل كلمتها في دستورية القانون؛ لم تعتبره مطابقاً للدستور، ولم تعتبره مخالفاً له، وإنما توقفت قبل الوصول إلى الموضوع لأن محل الرقابة لم يكن متوفراً أمامها في صورته القانونية اللازمة. وتزداد دلالة عبارة «على حالها» وضوحاً مع ما نُقل لاحقاً عن مصدر من داخل المحكمة الدستورية من أن تعذر البت لا يسقط حق الإحالة، وأن تدارك الخلل وإعادة تقديم القانون مستوفياً للشروط يظل ممكناً ما دام لم يصدر الأمر بتنفيذه، سواء من الجهة التي أحالته أول مرة أو من إحدى الجهات الأخرى التي يمنحها الفصل 132 هذه الصلاحية.


وهذا المعطى، الذي تناقلته بعض المنابر الاعلامية غداة صدور القرار، مفيد في توضيح المآل الممكن، لكنه يظل تصريحاً لمصدر غير مسمّى محكوم بواجب التحفظ، لا موقفاً رسمياً للمحكمة ولا تفسيراً ملزماً لقرارها.


وبذلك لم يُغلق قرار 10 غشت باب الرقابة الدستورية؛ لقد أعاد، بالأحرى، فتح سؤال الإحالة من نقطة البداية: من سيبادر هذه المرة، ومتى، وهل ستُعاد الإحالة فعلاً؟


وستتعدد القراءات حتماً: من يراه عثرة إجرائية عابرة، ومن يراه كاشفاً لخلل مؤسساتي أكبر، ومن سيقدمه انتصاراً للمحامين، ومن سيعتبره تأجيلاً لا يمس القانون في شيء. والحقيقة أبسط وأعقد في الوقت نفسه: لا يوجد إلى حدود هذه اللحظة حكم دستوري في مضمون القانون أصلاً.


وهنا تظهر مفارقة أخرى. فالمشكل لم يعد قانونياً فقط، لأن إمكانية إعادة الإحالة تبدو قائمة؛ السؤال أصبح سياسياً ومؤسساتياً: هل سيعيد رئيس مجلس النواب الإحالة بعد تصحيحها؟ هل ستبادر جهة دستورية أخرى؟ أم سيظل الجميع في حالة انتظار، بينما تستمر الأزمة المهنية والسياسية؟


وما يزيد السؤال حساسية أن مصدراً من مجلس النواب، بحسب ما نُشر، فضّل عدم التعليق «إلى غاية اتضاح الرؤية». وهذه العبارة، مهما كان تفسيرها، تعني أن الخطوة المقبلة لم تُحسم سياسياً بعد، رغم أن الطريق القانوني إلى إعادة الإحالة يبدو متاحاً.


أي أننا انتقلنا من خطأ في الإحالة إلى مسؤولية اتخاذ قرار جديد بالإحالة.


وهذا يعيدني إلى نقاش سبق أن أثرتُه قبل صدور القرار. فقد دعوتُ إلى التمييز بين المشروعية والشرعية، ونبّهتُ إلى خطورة تحميل المحكمة الدستورية ما لا يدخل في وظيفتها، أو رسم النتيجة التي ينبغي أن تصل إليها سلفاً. وقلتُ إن من حق الفقه والمحامين تقديم الحجج الدستورية، لكن ليس من السليم أن يصبح معيار «شجاعة» المحكمة هو إصدار الحكم الذي نرغب فيه.


والمفارقة اليوم أن كل ذلك النقاش حول النتيجة التي ينبغي أن تصدر عن المحكمة سبق حتى وجود محل صالح لممارسة الرقابة عليه.


كنا نناقش كيف ينبغي أن تحكم المحكمة. ثم انتهينا إلى أن المحكمة لم تستطع أن تحكم أصلاً.


وهذه المفارقة وحدها تكفي لتبيان حجم الارتباك الذي أصبح يحيط بهذا الملف.


أما جمعية هيئات المحامين بالمغرب، فإن القرار لا يمنحها انتصاراً دستورياً ولا يجيب عن اعتراضاتها على مضمون القانون. ومن ثم يبدو منطقياً أن تعتبر أسباب خلافها مع المشروع ما تزال قائمة. لكن الاحتمال الفعلي لإعادة الإحالة يضع الجميع أمام مرحلة انتظار جديدة: فهل يستمر التصعيد بالوتيرة نفسها بينما إمكانية نظر المحكمة في الجوهر ما تزال قائمة، أم يكون من الأنسب انتظار استكمال المسار الدستوري؟


فالمحكمة لم تمنح الجمعية حكماً في موضوع الاعتراضات الدستورية التي تثيرها، مثلما لم تمنح الحكومة شهادة دستورية للقانون. الجميع عاد، بطريقة ما، إلى منطقة انتظار دستورية جديدة.


النص موجود، والاعتراض موجود، والاحتجاج موجود، لكن الحكم في الدستورية غير موجود.


والآن نعرف أن الطريق إلى ذلك الحكم لم يُغلق؛ لكنه يحتاج إلى من يعيد فتحه بإحالة صحيحة.


وهنا أخشى أن يصبح قانون المحاماة، الذي بدأ مشروعاً لإصلاح مهنة أساسية داخل منظومة العدالة، مسلسلاً مؤسساتياً طويلاً أصابه من التكرار والالتباس ما يهدد بإفراغ الإصلاح نفسه من معناه.


بدأ بخلاف حول المنهج. ثم تحول إلى أزمة ثقة بين الوزارة والمهنة. ثم إلى إضرابات وتصعيد. ثم إلى مواجهة داخل البرلمان. ثم إلى حسم بالأغلبية. ثم إلى انتظار المحكمة الدستورية. واليوم، بدل أن تقول المحكمة كلمتها في الجوهر، نكتشف أننا أمام إحالة لا تسمح لها حتى بالدخول إليه.


وفي كل محطة يتراجع سؤال الإصلاح خطوة، ويتقدم سؤال الإجراء والصراع والتأويل خطوة أخرى.


ويزداد هذا المعطى ثقلاً حين نضع القرار في زمنه: فقد صدر بعد اختتام الدورة البرلمانية، وعلى بُعد أسابيع من الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، ولن تُفتتح الدورة المقبلة قبل أكتوبر. أي أن الملف، في أحسن الفروض، معلّق شهرين، وقد ينتقل بأسئلته كلها إلى ولاية تشريعية جديدة.


فالإصلاحات الكبرى يمكن أن تكون صعبة ومثيرة للخلاف، لكن عندما يطول مسلسلها إلى الحد الذي يصبح فيه الرأي العام يتابع الإجراءات أكثر مما يناقش مضمون الإصلاح، فإن الخطر لا يعود في الاختلاف وحده، بل في الملل المؤسساتي الذي يستهلك الثقة والهيبة معاً.


ويصبح السؤال الذي ينبغي أن يقلق الجميع: إلى متى سيبقى إصلاح المحاماة رهينة مسلسل مؤسساتي لا يصل إلى نهايته؟


خاتمة

لم يربح أحد شيئاً حاسماً بقرار 10 غشت، ولم يخسر أحد المعركة الدستورية، لأنها ببساطة لم تبدأ في موضوعها. فالقانون لم يُقَرّ دستورياً ولم يُبطَل، والخلاف حول مقتضياته بقي قائماً.


لكن شيئاً ضاع بالفعل: وقت مؤسساتي وسياسي ثمين، ومعه جزء من صورة جودة العمل التشريعي ومساره المؤسساتي. والأخطر أن القرار ترك القانون في مساحة ستتكاثر فيها القراءات والتأويلات. فالمخرج القانوني يبدو ممكناً: إحالة جديدة مستوفية للشروط قبل إصدار الأمر بالتنفيذ. لكن السؤال انتقل من الإمكان القانوني إلى الإرادة المؤسساتية: من سيبادر، وهل ستتم الإحالة، ومتى؟


لقد كشف قانون المحاماة أولاً أزمةً في كيفية اتخاذ القرار التشريعي، ثم كشف اليوم أزمةً في جودة إدارة هذا القرار بعد اتخاذه. وبالأمس كنا نحذر من الخلط بين المشروعية والشرعية، ومن تحويل المحكمة الدستورية إلى طرف في الخلاف أو اقتراح النتيجة عليها؛ واليوم نجد أنفسنا أمام مفارقة أكثر بساطة وأكثر إحراجاً: المحكمة لم تجد أمامها، قانوناً، المحل الذي يسمح لها أصلاً بالانتقال إلى رقابة الدستورية.


وبين «التمرير» و«الإحالة الناقصة» و«تعذر البت»، يعود السؤال نفسه بصورة أكثر إلحاحاً: أين توجد صناعة التشريع باعتبارها مسؤولية مؤسساتية متكاملة؟


لقد بدأ هذا الملف بسؤال حول قدرة الأغلبية على تمرير القانون، ثم وصل إلى سؤال حول قدرة المؤسسات على إحالته بصورة صحيحة، وها نحن أمام سؤال ثالث: هل ستملك المؤسسات إرادة تصحيح الخطأ واستكمال الرقابة الدستورية؟


فالبرلمان لا يصبح مؤسسة تشريعية لأنه يصوّت على القوانين فقط؛ يصبح كذلك عندما يُحسن مناقشتها وصياغتها وضبط مسارها، وتسليمها في صورتها القانونية الصحيحة إلى باقي المؤسسات الدستورية.


وربما كان قدر قانون المحاماة أن يذكّرنا، في كل مرحلة، بحقيقة تتجاوز المحاماة نفسها: أن التشريع ليس عدداً يمرّر نصاً، ولا وثيقة تنتقل بين المكاتب، ولا مسطرة تُستوفى شكلياً. التشريع مسؤولية دستورية تبدأ بالفكرة ولا تنتهي إلا عندما يصل النص الصحيح، بالطريقة الصحيحة، إلى المؤسسة الصحيحة.


فالعدد يستطيع أن يمرّر القانون… لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع تشريعاً جيداً.