من منا يتذكر هذه الحادثة التي ما زالت تثير حنقي وسخريتي الى اليوم، كلما تذكرتها؟ أستحضرها هنا وأنا اتابع ردود الفعل، لا سيما تلك المزهوة بنفسها، على ما سمي بشكل متعسف بالهروب الكبير، الذي شهدته شواطئ سبتة تزامنا مع عيد العرش.
لقد عادت بي الذاكرة الى حادث مماثل، من جهة صورته العبثية، وقع سنة 2018، وسميته حينها بحجيج "كنز سرغينة"، تلك القرية الصغيرة الناعسة على سفح جبل تيزي باقليم بولمان، الواقع هذه المرة بعيدا عن شواطئ المغرب.
ذات صباح من شهر يونيو 2018، تهامس آلاف الناس من مختلف المناطق والاعمار، وتناقلوا نبأ العثور على كنز كبير في تلك القرية المعزولة المسماة سرغينة. وجراء ذلك شدت الرحال الى مكمن الكنز، في جحافل مثيرة للعجب تتسلق الجبل بالآلاف يغذيها الطمع في الحصول على حظها من الكنز العظيم. وقيل حينها ان الوافدين تحركوا من كل بقاع المغرب، بل ومن خارجه (من اسبانيا وايطاليا).
بدأت الحكاية حين زعم أحدهم (وهو شاب من ابناء القرية) أنه رأى في منامه شخصاً يخبره بوجود كنز عظيم مدفون داخل مغارة في الجبل، وأنه سيوزعه على كل من يحضر مشهد استخراجه. وضرب موعدا للجميع في يوم معلوم. فتداعى الجميع الى المحشر، مكبين على وجوههم مهرولين نحو الجبل السعيد، بعضهم يحمل الأعلام الوطنية، لا يثني عزمهم بعد المسافات، ولا وعورة الطريق ولا قساوة الظروف المناخية المتزامنة مع بداية الصيف وموسم الحرائق. ولا حتى غرابة الفكرة وبلادتها. وتجمعوا في مشهد عجيب فوق الجبل لحضور لحظة استخراج الكنز.
وفي اليوم واللحظة الموعودين، جاء الشاب الحالم ووقف امام الجموع، والقى خطبة تناقلتها الهواتف، جدد فيها الوعد بتقاسم الكنز مع الجميع، وقرأبعض آيات القرآن، وما تيسر من الأدعية، قبل ان يشرع في افتعال طقوس تمهيدية لفتح مخزن الكنز، يساعده في ذلك بعض أقرانه، بينما العيون جاحظة تترقب ما يحدث، ولا احد يساوره شك في هذه الاكذوبة المثيرة للشفقة.
انتهت المغامرة بخيبة كبيرة للجموع الحاضرة، وكان على السلطات ان تسهر على تفريق المحتشدين وتنظيم تنقلاتهم والحيلولة دون اي انفلات او اختناق او اصطدامات. وانتهى الأمر بتوقيف الشاب والتحقيق معه. حيث تبين انه يعاني من اختلالات نفسية وعقلية، وتم اخلاء مسؤوليته. فيما استمر النقاش في الإعلام ووسائل التواصل حول الاسباب التي جعلت من الممكن ان تنساق الآلاف من الجماهير بسهولة وراء خرافات واوهام من المفترض انها غير قابلة للتصديق.
ويظل السؤال المحير هو : كيف تمكنت هلوسات شاب مريض نفسيا وعقليا، من ان تعبئ الآلاف وتسلبهم القدرة على استعمال عقولهم.
وسرعان ما تناسى الجميع هذه المشاهد المخجلة، وانصرفوا الى انشغالاتهم اليومية، في انتظار مشاهد مخجلة أخرى، تكشف لا عقلانية مترسخة على نطاق واسع في الاذهان والأحلام والسلوك.
تذكرت هذه الحادثة الغريبة، واردت استعادتها، من اجل المقارنة مع ما حصل يوم 30 يوليوز. هل كانت الجحافل في سرغينة تهرب من جحيم وطن لا يستحقها؟ ام كانت تحركها فقط نوازع الطمع الساذج؟
بعض من يحللون حادثة سبتة نسبوا فيها قدرا من العقلانية والمصداقية لانفعالات الحشود التي شاركت في "الهوجة"، وجعلوا منها فعلا سياسيا مقصودا وواعيا. والحال ان الأمر ابعد ما يكون عن هذه العقلانية المزعومة. واقرب ما تكون الى عطب ثقافي يحتاج منا الى اعادة تقدير شاملة ومستعجلة، للوقوف على الأسباب العميقة الفعلية لهذا النوع من الطفوح الشبيهة بطفوح الجلد كلما اعتل الجسم. لماذا تعشش بيننا العقلية الخرافية وتستفحل بشكل يحول أعدادا هائلة منا الى قطعان سلسة القياد؟ اين الخلل؟ وكيف يمكن تداركه؟ الحرص ترديد نفس التفسيرات السياسوية الباهتة في كل مرة، لا يضيف شيئا جديدا الى النقاش العمومي. أليس الملك، رئيس الدولة، والمؤسسات الوطنية مثل بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط ، ومؤسسات الحكامة، هم اول من يضع الاصبع على مواطن الخلل في السياسات العمومية الوطنية؟ هل نخترع نحن العجلة حين نقول نفس الشيء ونزايد على بعضنا البعض؟
في تقديري انه الى جانب الهوة التي تشير اليها عبارة "مغرب السرعتين" هناك هوة اكثر خطورة وأشد فتكا بالأنسجة الاجتماعية الهشة، ما فتئت تتسع يوما عن يوم، وتؤدي الى تقليص المسافة التي نحتاجها للنتقال من العقلانية الى التفكير الخرافي. هوة تقع بين عموم افراد المجتمع وبين العالم الفعلي الذي يعيشون فيه والذي تديره منتجات فيزياء الكوانتا، من الخواتف الذكية الىالذكاء الاصطناعي الى ادوات التعليب الثقافي التي ما فتئت تقلص قدراتنا الذهنية وملكاتنا النقدية، في ظل تسارع صبيب المعلومات والمغالطات و"النصائح" والشائعات، وتعاظم الاقتناع الذاتي بأن كل واحد صار اشد ذكاء واكثر تمثلا لحقائق ما يعج به العالم من حوله. والحال ان جاهزيتنا لمواجهة هذا العالم الملغز فقيرة باهتة، وثقافتنا صفيقة قليلة الزاد والحيلة. والنتيجة هي تعاظم فرص انتعاش التفكير الخرافي والجنوح نحو الحلول السهلة والطرق المختزلة في كل شيء، حتى في تصور المستقبل.
واجبنا ان نتداعى مسرعين الى تنسيق الجهود والتفكير المنظم في كيفية تدارك حجم الخصاص الثقافي الذي نعاني منه، وإعادة النظر في اولوياتنا الثقافية لتمكين كافة المواطنين من فرصهم كاملة في الاسهام في البناء الثقافي الفعال لنسيجهم الاجتماعي.
اما موضوع الهجرة في حد ذاته، فلنا عودة اخرى اليه.






