بعد مرور ثلاثة أيام على كبوة المنتخب المغربي، وهدأت العاطفة قليلا، حان وقت الحديث بلغة العقل.
نعم، قدم المنتخب أداء أقل من تطلعات الشعب المغربي، الذي كان يحلم بإنجاز يفوق ملحمة قطر، ويطمح إلى اعتلاء منصة التتويج. لكن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم تجربة كاملة من خلال مباراة واحدة.فباستثناء مواجهة فرنسا، قدم أسود الأطلس مونديالا محترما، وأطاحوا بمنتخبات عريقة صنعت تاريخ كرة القدم، وفي مقدمتها الطواحين الهولندية. ولم يكن ذلك ضربة حظ، بل رسالة واضحة بأن ما تحقق في قطر لم يكن صدفة، وإنما ثمرة مشروع كروي حقيقي يستحق الاستمرار والتطوير.
ويكفي أن نتأمل المشهد كاملا لندرك قيمة هذا الإنجاز؛ فالمغرب كان المنتخب العربي والإفريقي الوحيد الذي بلغ الدور ربع النهائي، بينما غادرت بقية المنتخبات العربية والإفريقية المنافسة في أدوار سابقة، وكانت مصر الأفضل بينها بعد المغرب ببلوغها دور الـ16.
وهذا يؤكد أن المنتخب المغربي أصبح رقما صعبا على الساحة العالمية، وأن حضوره في الأدوار المتقدمة لم يعد استثناء، بل نتيجة عمل متواصل ورؤية تستحق أن تتواصل.
اليوم، لسنا في حاجة إلى جلد الذات، ولا إلى صناعة الأبطال عند الانتصار ثم هدمهم عند أول تعثر. ما نحتاج إليه هو تقييم هادئ ومسؤول، يحافظ على المكتسبات، ويعالج مواطن الخلل، لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدم السقوط، وإنما بالقدرة على التعلم والنهوض.
ويبقى الرهان الأكبر هو كأس العالم المقبل، الذي سيقام على أرضنا. إنها فرصة تاريخية لن تتكرر بسهولة، وفرصة لإثبات أن ما تحقق في قطر، وما تلاه في الولايات المتحدة، لم يكن سوى بداية لمسار منتخب ينتمي اليوم إلى نخبة كرة القدم العالمية.
الكبار لا يعرفونهم بانتصار واحد ولا يسقطون بعثرة واحدة، بل يصنعهم الإصرار، ويخلدهم الاستمرار.






