صار فيه الكثير من اللغو واللغط.
وفيه الكثير من الأنانية.
وفيه الكثير من التجني .
وفيه الكثير من الهلوسة.
فيه الكثير من التعياق والزيادة في الكلام .
والزيادة من راس الاحمق، كما قال الأولون .
أتتبع بعض الصفحات والتعاليق والنقاشات، بعد خروج الفريق الوطني لكرة القدم من التنافس على كأس العالم إثر إقصائه من طرف الفريق الفرنسي في دور الربع، فأجد كلاما وتعليقات على منوال :
الماطش مبيوع. المدرب لا يفهم في التدريب.
حكيمي يضحك ويبتسم بعد الماتش لأن فرنسا فازت .
حكيمي منح الماتش لفرنسا لينال البراءة من تهمة التحرش. ندعو الله أن يحكم على حكيمي في تهمة التحرش.
رئيس الحكومة الفرنسية يأتى إلى المغرب من أجل شراء الماتش.
الركراكي أحسن من وهبي.
كان يجب أن يلعب زياش في المونديال.
فرنسا هددت المغرب كي ينهزم ...
هذه نماذج فقط لعدد من التعليقات أو معناها ، والتي ملأت صفحات الفايسبوك،و جلسات المقاهي ،ومجالس أخرى.
والمشكلة هنا ليست مشكلة الفريق الوطني لكرة القدم الذي ينتصر وينهزم .بل انتصر أكثر مما انهزم .المشكلة باتت مشكلة جمهورنا المتقلب.
جمهورنا الذي لا يحب إلا أناه.
تعميما، ربما أن الأمر عرضاني ،ويهم كل جماهير الرياضة وكرة القدم في العالم .وهنا قد لا تسعفنا النظرية العلمية كي نفكك السلوك والخطاب أكثر . ربما نظريات سيكولوجية الجماهير لم تعد قادرة على محاصرة التحولات التي تعرفها المجتمعات. فالأمر قد تجاوز "العدوى النفسية" التي أطر بها "غوستاف لوبون" سيكولوجية الجماهير.كما تجاوز التحليل مقاربة وأدوات " هربت بلومر"، رغم توسعه في تصنيف مفهوم الجماهير، من الجمهور العابر إلى الجمهور التقليدي إلى الجمهور التعبيري إلى الجمهور الفاعل. وربما أيضا أن التأطير النظري في وضعية عوز، وحاجة، ونقص ،أسقط وأزاح معه ما كان قد تم اعتباره صناعة للمعنى. وقد نحتاج إلى توسيع مجال البحث النظري في علوم الاجتماع وعلم النفس وباقي المجالات والمباحث ذات العلاقة ،في سياق التحولات المجتمعية الحالية، في صلة مع مفاهيم مؤطرة ومؤثرة ، كمفهوم الفرد ،ومفهوم الجماعة،ومفهوم الجمهور ، في ظل وسائط التواصل الحديثة، حتى نتمثل ونبني ونتبنى،أو حتى نتوافق ، حول مفهوم جديد للمعنى .
لكن رغم ذلك ، وفي انتظار استكمال المبحث والنظرية ، نعود إلى شأن جمهورنا الذي صار يعيد تشتيت المعنى .
جمهورنا والذي أعني ،وبتعليقاته وهلوساته ،
يعلن مرة أخرى أنه لا يحب فريقه الوطني حين ينتصر ، بل هو ينتشي فقط إثر ملء فراغ أو خصاص نفسي وعاطفي ذاتي ثم جماعي .
جمهورنا الذي أعني لا يرى الفريق منتصرا في مسابقة رياضية ، بل يرى ذاته وأناه متفوقة ومتضخمة . جمهورنا هنا بصدد تحويل و تعويض عاطفي ووجداني لمعنى الفرح ومعنى الانتصار.
جمهورنا الذي أعني يقايض فريقه الوطني : عليك أن تنتصر كي أفرح أنا ، وإلا سأشتمك ، ليس لأنك انهزمت، بل لأنني محتاج لترميم أناي ورفع رصيد فرحي الفردي والجماعي .
فجمهورنا حين يخرج للفرح ، يخرج ليرفع رأس ماله هو من الفرح .
لكن ، حين ينهزم الفريق الوطني ، يغضب الجمهور لأنه يغرق من جديد في فائض اللافرح واللانتصار.






