رياضة

خواطر مونديالية

مولاي التهامي بهطاط

انهزم المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي في ثمن نهاية كأس العالم، وهذا خبر عادي وليس حدث جللا او مفاجأة غير متوقعة، بحكم الفوارق الشاسعة بين المنتخبين على كافة المستويات.. فرديا وجماعيا وتقنيا ... ويكفي أن القيمة السوقية للاعبي المنتخب الفرنسي تضاهي ثلاثة أضعاف ونصف قيمة نظرائهم المغاربة..

هذا فضلا عن أن منتخب "الديكة" هو المرشح "الأوحد" للفوز بكأس العالم، ما لم تحدث مفاجأة غير متوقعة.. حسب رأي أرسين فينغر مثلا، وهو من أكبر خبراء الكرة الذين لا يطبخون طاجين "الديك" قبل ذبحه.. 

كلنا في الهم شرق

هزائم المونديال قدمت الدليل القطعي على عروبة المغرب..

فالإعلام في كل الدول العربية التي انهزمت منتخباتها في مراحل متتالية من المونديال، عزف نفس اللحن الجنائزي، وكأننا أمام أمم تجر خلفها تاريخا كرويا يضاهي تاريخ البرازيل وألمانيا وإيطاليا.. مجتمعة..

وأبرز مثال على ذلك العاصفة التي عرفها ويعرفها الأردن الذي يخيل لمن يتابع إعلامه هذه الايام أن "النشامى" فازوا بكل كؤوس العالم السابقة.. والحال أنهم تأهلوا لأول مرة منذ سبعين عاما، تاريخ انضمامهم للفيفا، كما أن الفضل كل الفضل في شهرة "النشامى" في العالم العربي، يرجع للراحلة سميرة توفيق.. وفي مجال شرب الكهوة على ظهور الخيل.. وليس في مجال لعب الكرة..

فلاسفة "لغنان"..

"لغنان" على وزن اليونان.. وتنتهي المقارنة هنا.

فهذا النوع من "الفلاسفة" يدعي امتلاك الحقيقة، واحتكار القدرة على تحليل الواقع، ولذلك يغرد خارج السرب عادة.

ففي الوقت الذي ينشغل فيه جمهور الكرة مثلا بمقارنة الفوارق التقنية بين المنتخبات، يقارن هؤلاء بين معدل الدخل الفردي والناتج الداخلي الخام، وبالترتيب في مؤشرات التنمية البشرية، بمعنى أنه ينبغي أن تكون عندنا كؤوس عالم، وليس كأس عالم واحدة، بحيث تلعب منتخبات مجموعة العشرين كأسها.. ومنتخبات الدول "النامية" كأسها.. والدول المتخلفة كأس عالمها الثالث..

الغريب أن هؤلاء "المتفلسفين" يغيب عنهم أن المقارنة الأهم ينبغي أن تنصب على مستوى وعي الشعوب.. أي بين شعوب تعطي الأولوية للجد وتحاسب السياسيين على فشلهم، وبين شعوب تعطي الاولوية للهزل، وتطالب بمحاسبة مدرب المنتخب لا رئيس الجامعة.

الفيل الأبيض

كرة القدم -تحديدا- هي مناسبة لتلاقي الشعوب، على ارضية التنافس الرياضي، وهي أيضا فرصة لاستغلال هذه الرياضة تجاريا وإعلاميا واقتصاديا وصناعيا وسياحيا وثقافيا..

لهذا تحولت الكرة تحديدا إلى صناعة، وصارت الأندية شركات بأرقام أعمال مهولة، وميزانيات ضخمة..

كما تحولت المباريات إلى "عرض فني" يدر ذهبا، ولم تعد مجرد جري وراء "جلدة" منفوخة بـ"الريح".. يشعلها تعليق حماسي..

لكن الفرق الجوهري، أنه في الدول المتقدمة، الكرة استثمار يتكفل به القطاع الخاص، ونجومه قد يدخلون السجون إذا تهربوا من دفع الضرائب.. بل إن مجالس بلدية صوتت ضد احتضان مدنها لمباريات المونديال، بسبب ضعف "العائدات" المتوقعة.. 

بينما يتحمل دافع الضرائب عندنا كلفة بناء الملاعب والاستدانة لإنجاز المرافق الموازية لها.. وكل صوت تحدث عن قطعان "الفيلة البيضاء" التي تتجول في عواصمنا، يتم اتهامه بالخيانة العظمى..

ثم أن التدبير المقاولاتي لشركات "الكرة" في العالم المتحضر، يجعل الهدف الرئيسي للمساهمين هو تحقيق الأرباح المادية في نهاية السنة، وهي الأرباح اتي ترتفع وتنخفض تبعا للانتصارات والتتويجات، بينما الكرة عندنا هي في الغالب الأعم أداة من أدوات الحملة الانتخابية، ويكفي إحصاء عدد رؤساء الاندية الذين يسيرون جماعات أو يتسابقون على مقاعد البرلمان لفهم المعادلة المقلوبة..

تركة الركراكي

سيقترن اسم وليد الركراكي -دون شك- بالإنجاز التاريخي الذي تحقق في مونديال قطر، وهذه حقيقة غير قابلة للجدال..

لكن ان يطل البعض بمناسبة وبدونها للتطبيل للرجل وادعاء ما ليس فيه، والتحسر على زمنه، فهذه صبيانيات لا تستحق التوقف عندها أصلا..

فالركراكي استلم منتخبا متكاملا بناه -بدرجات متفاوتة- رونار والزاكي ووحيد.. ولولا مكابرة هذا الأخير لكان هو من جنى الثمار..

فماذا سلم الركراكي لخلفه بعد فضيحة كان 25؟

منتخب مهلهل منهار نفسيا، وجيش من معطوبي "الحرب" والمتقاعدين، لأنه رفض بإصرار التجديد التدريجي للمنتخب كما هي سنة الله في كرة القدم.. وفضل العاطفة على أداء وظيفته التي يتقاضى مقابلها أجرا..

للرجل حسنة وحيدة وهي الوصول لنصف نهائي المونديال، لكن لائحة إخفاقاته طويلة، وأولها أنه حرم المغرب من كأس افريقية احتضنتها ارضهطال انتظارها نصف قرن... وحتى لو فاز بها بحكم المحكمة، فإنه فوز بلا لون ولا طعم.. خاصة بالنظر إلى الضعف الكبير الذي ظهر به المنتخب في تلك المناسبة، كما ان الركراكي نزل إلى مستوى تصفية الحسابات مع لاعبين فقط بسبب تصريح هنا أو تعبير عن رأي هناك.. ولا أدري لم تم سريعا دفن "التسريبات" التي تدوولت غداة فضيحة الكان، عن ان سبب استبعاد بوفال وزياش لا علاقة له بالتنافسية ولا بغزة ولا بتازة، بدليل أنه استعان بلاعبين غير مؤهلين ومن الارشيف في مباريات حاسمة، بل بمطالبة هذين اللاعبين تحديدا، خلال مباراة فرنسا الشهيرة، بخطة تكتيكية بدل خطاب النية ورضات الوالدين.. وهل يستطيع أحد ان ينكر المعاناة المزمنةلمنتخب الركراكي مع منتخبات ضعيفة وغير مصنفة لا يمكن ان تصمد أمام فرق احياء الدار البيضاء في دوري رمضان، رغم أن الإمكانيات الهائلة التي وضعت تحت تصرفه، تتجاوز مجموع ما صرف على منتخبات المغرب منذ الاستقلال، كما أنه استفاد من لعب كل المباريات الإقصائية في ملاعب المغرب، ولم يجرب اللعب في الأدغال الإفريقية.. واسألوا اليوتوب إن كنتم لا تعلمون؟

التفسير التآمري

مرة أخرى خرجت كثير من الاصوات لتحويل مباراة المغرب وفرنسا، إلى مؤامرة، وللحديث عن ضغوط تعرض لها منتخبنا، ليسلم "الماتش" دون قتال..

ما يعلمه الجميع، أنه لأول مرة في التاريخ، طأطأت فرنسا رأسها، ولم تعد تتصرف مع المغرب كدولة "حامية" بدليل موقفها التاريخي من قضية الصحراء، الذي لم يتبنه لا جيسكار ولا حتى صديقنا الكبير شيراك ولو في أوج الحرب الباردة.

فما محل التفسير التآمري، والحال ان شواهد الواقع تؤكد على أن المغرب نوع شركاءه، وأن فرنسا لم تعد "الصديق" الوحيد.. وعاش العم ترامب؟  

وهبي وأخنوش

من المفارقات، أن تنطلق بعض الأصوات مطالبة بإعفاء المدرب وهبي، وكأنه تسبب في خروج المنتخب من الدور الأول، مع أن خبراء الكرة شهدوا له بتغيير وجه المنتخب، الذي أصبح مرعبا للمنتخبات العريقة، (هولندا مثلا)...

وهذا دون مراعاة الفترة الوجيزة التي تحمل فيها المسؤولية، ولا الحالة المزرية التي وجد عليها منتخب "كان 25"..

بالمقابل، لم نر لكثير ممن رفعوا هذه المطالب، اي موقف من إخفاقات أسوإ حكومة في تاريخ المغرب.

ولهذا يجب ان تكون مغربيا لتفهم كيف يطالب البعض برأس وهبي الذي نجح، بشهادة الأعداء قبل الاصدقاء في مهمته، ولو بشكل نسبي، مقابل التطبيل لأخنوش الذي كتب عنه -مثلا- أحد "صناع المحتوى" مؤخرا، بأن زيارته الاخيرة لمدينة "أحمد عصمان" لم تنجح فقط في جمع شمل التجمعيين "الشرقيين" الذين شتتهم سباق التزكيات، بل إن هذه الزيارة "جعلت الحزب في موقع مريح لضمان المقاعد التسعة المخصصة لجهة الشرق".. (للتصحيح: عدد مقاعد جهة الشرق بمجلس النواب 38)..

وهذه النقطة بالذات، تعيد التذكير بملاحظة أساسية أشرت غليها أعلاه، مفادها، أن الشعوب المتحضرة، تميز بين الأساسيات وترتبها حسب الأولوية، وتحاسب المسؤولين عنها، ولا تجعل "الترفيه" في قمة الهرم.. وتخوض الحروب الكلامية بسبب هزيمة رياضية..

لقجع.. رابح .. رابح

قد تبدو الصورة كاريكاتورية، لكن رئيس الجامعة يبدو الرابح على طول الخط، ايا كانت نتائج المنتخبات.. لأن هناك دائما كبش فداء يمكن التضحية به..

لكن الأعجب من كل هذا، هي الحظوة التي ينفرد بها السي فوزي لدى صحافة هذا الزمن الرديء، والتي لا يمكن تفسيرها فقط بكونه "مول الشكارة" في الحكومة الذي يوقع على أوامر صرف أجور مئات الصحفيين على مدى سنوات، وإلى حدود شتنبر المقبل على الأقل.

هذه الحظوة، بلغت حد تعيين الرجل وتنصيبه -مبكرا- رئيسا لحكومة يفترض أنها ما تزال في رحم الغيب، في إلغاء للدستور وللانتخابات.. ولرأي الشعب، في زمن يحاول فيه المغرب "الرسمي" تسويق مقترح الحكم الذاتي كآلية ديموقراطية..

لا أتابع لا مباريات ولا كواليس كأس العالم الحالية، لكنني لا أظن ان هناك إعلاما -باستثناء إعلامنا- يركز كاميراته على حركات وسكنات وفرح وغضب رئيس الجامعة في المنصة الرسمية وخلال حصص التداريب.. وحتى في الممرات والكولوارات..

وكما قلت يبدو هذا تصرفا طبيعيا ومتوقعا من صحافة "المدح التكسبي"، لكن الغريب أن يتجاوب معه السي فوزي، الذي يفترض أنه يمتلك من مواصفات "رجل الدولة" ما يؤهله لاستحضار أن اقتراب "فرطوطو" كثيرا من مصدر النور ينتهي به إلى إحراق جناحيه والوقوع بلا حراك إلى جانب الناموس والذبان وبقية الحشرات..