غير أن الاقتراب من الواقع، والاحتكاك اليومي بمرافق يفترض أنها وجدت لخدمة المواطن، يكشف عن ظواهر يصعب التغاضي عنها أو التقليل من آثارها. وهي ظواهر لا ينبغي أن تقابل بالصمت، لأن الصمت عنها لا يصلحها، بل يمنحها فرصة للاستمرار والتجذر.
ولست أكتب هذه الكلمات بدافع التشهير، ولا رغبة في جلد الذات، ولا بحثا عن الإثارة، وإنما أكتبها انطلاقا من إيمان راسخ بأن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو معالجتها. فالنقد المسؤول ليس خصومة مع المؤسسات، بل هو انحياز لقيم الإصلاح، ووفاء لفكرة المرفق العمومي الذي ينبغي أن يكون في خدمة المواطن، لا عبئا عليه.
ومن قصد بعض الإدارات لقضاء مصلحة من مصالحه، لا بد أنه لمس تفاوتا في الأداء، ووقف على ممارسات لا تليق بصورة الإدارة الحديثة. وإنصافا للحقيقة، فإن بين الموظفين رجالا ونساء يؤدون واجبهم بكل نزاهة وإخلاص، ويستحقون كل التقدير والاحترام. غير أن وجود هذه النماذج المشرقة لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى مواجهة الاختلالات حيثما وجدت.
ولا يزال المواطن، في كثير من الأحيان، يصطدم بإجراءات بطيئة، ووجوه عابسة، وتعامل يفتقر إلى روح الخدمة العمومية. وقد تتأخر وثيقة أو شهادة أياما، بل أسابيع، دون مبرر مقنع، فتتعطل المصالح، وتتراكم الأعباء، ويتسلل الإحباط إلى النفوس. والأسوأ من ذلك حين تفتح مثل هذه الأوضاع الباب أمام ممارسات مشينة، واستغلال النفوذ، بما يقوض الثقة في المؤسسات، ويثقل كاهل المواطن في أبسط حقوقه.
وما أكتبه ليس انطباعا عابرا، بل هو خلاصة تجربة شخصية، تتقاطع مع شهادات وتجارب كثيرة، ولذلك لا أرى حاجة إلى استعراض التفاصيل، لأن القضية أكبر من واقعة بعينها، وأعمق من ملف أو إدارة بعينها. إنها قضية ثقافة إدارية تحتاج إلى مراجعة، ومنظومة قيم تستحق أن تجدد، حتى يصبح احترام وقت المواطن وكرامته جزءا أصيلا من أداء المرفق العمومي.
إن الأوطان لا تضعف بالنقد الصادق، وإنما تضعف حين يصبح الخلل أمرا مألوفا، وينظر إليه على أنه قدر لا يتغير. أما الإصلاح، فيبدأ حين نمتلك شجاعة تسمية المشكلات بأسمائها، بعيدا عن التهويل أو التهوين، وبعيدا عن التعميم أو الاتهام، إيمانا بأن الإدارة الناجحة ليست امتيازا تمنحه الدولة لمواطنيها، بل حق أصيل لهم، وركنا أساسيا في بناء الثقة، وترسيخ دولة الحق والقانون، وصيانة كرامة الإنسان.






