قضايا

الدفاع عن الحق في الدفاع.. رسالة المحاماة وحصن العدالة

سارة سوجار (محامية بهيئة الرباط)
فتحنا أعيننا في قاعات المحاكم وسط محامين ومحاميات يدافعون باستماتة عن حقوق أناس اختاروا قول الحق في أزمنة كانت فيها كلمة الحق تساوي أحيانا دفع الثمن من الحرية أو من الحياة. ..وسطر هؤلاء المحامون والمحاميات قصصا تحكي القانون والحق والقيم الإنسانية الراقية.

منهم ومنهن تعلمنا أن المحاماة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة…. يمكن للمرء أن يعيش منها وأن يحقق استقرارا وحياة كريمة…..لكنه لا يستطيع ممارستها حقيقة دون التشبع بقيمها الإنسانية والكونية النبيلة.

ثم شاءت الحياة أن أنخرط فيها، وأن أدخل أبواب العدالة مرتدية تلك البذلة التاريخية التي عبرت الأجيال وظلت رمزا للحق في الدفاع، وحق الجميع في الولوج إلى العدالة دون تمييز.

في مهنة المحاماة لا نتلقى التكوين القانوني فقط، بل نتعلم أيضا قواعد السلوك المهني وأعراف المهنة وتقاليدها. ….وتبذل مؤسساتنا المهنية مجهودا كبيرا حتى تتحول هذه القيم إلى ممارسة يومية، لا مجرد شعارات أو مبادئ نرددها دون معنى.

صحيح أن المحاميات والمحامين ليسوا ملائكة….لكنهم يكافحون كل يوم حتى لا تتلوث هذه الرسالة….وحتى يمارسوا مهنتهم بكل النبل الذي وجدت من أجله….تمرين صعب و مرهق أحيانا….لكنه أساس و صلب المهنة.

معركتنا اليوم ليست معركة حول مقتضيات قانونية تقنية، وليست دفاعا عن امتيازات أو مصالح خاصة. إنها معركة الدفاع عن الحق في الدفاع، بما يحمله هذا الحق من معاني الحرية والاستقلالية والقوة. فالمحاماة ركن أساسي من أركان العدالة، وضمانة أساسية لولوج منصف إليها. وكلما كان الدفاع مستقلا وقويا ومؤهلا، كان أكثر قدرة على حماية حقوق الناس وخدمة العدالة.

والقوة هنا ليست غطرسة ولا امتيازا، بل هي تكوين رصين، وتشبع بالقيم، وصرامة في الدفاع عن الحقوق، واحترام لجميع مكونات منظومة العدالة والاعتراف بأدوارها ومكانتها.

إن النضال من أجل هذه القيم لن يحسمه قانون ولا تصريح ولا ظرف سياسي عابر. فما نتربى عليه اليوم، وما ورثناه بالأمس، سيؤتي ثماره غدا. فالمحاميات والمحامون هم من يصنعون المهنة، وهم حصنها المنيع، وهم من يمنحون النصوص روحها ومعناها.

معركتنا كانت ..و ماتزال طويلة….لكننا نستند إلى إرث مشرف وتاريخي تركه لنا أساتذتنا ونقباؤنا، ممن ساهموا في ترسيخ حقوق الإنسان والدفاع عن الحقوق والحريات. وسيظل هذا الإرث حاضرا ومترجما داخل المحاكم، مهما اختلفت السياقات والتوازنات والقيود، لأن المحاماة ليست فقط مؤسسة وطنية، بل هي أيضا قيمة إنسانية كونية وتاريخية.

إن الدفاع عن الدفاع ليس دفاعا عن فئة مهنية، ولا عن مصلحة خاصة. إنه دفاع عن حق إنساني يجب أن يتمتع به الجميع دون تمييز، ودفاع عن عدالة لا تستقيم بضعف أحد مكوناتها، بل بتوازنها واستقلاليتها والاحترام الواجب لها.

نسمع كثيرا عن لحمة المحاميات والمحامين وتضامنهم……لبساطة، يعود ذلك إلى العلاقات الإنسانية العميقة التي تجمع أبناء المهنة، وإلى قناعة راسخة بأن المحامي و المحامية لا يلج هذا المسار فقط بحثا عن الاستقرار المادي، بل لأنه مؤمن بدوره الحقيقي في تحقيق العدالة وفي الدفاع عن حقوق المواطنات و المواطنين.

قد يمر هذا القانون، وقد تأتي قوانين أخرى. وقد تفرض توازنات اللحظة نتائج مختلفة، وقد نعيش فترات تضييق على الحقوق والحريات. لكن ذلك كله لن ينهي معنى الرسالة، ولن يقتل في نفوس المؤمنين.ات بها الإحساس الحقيقي بدورهم وواجبهم.

من يمارس المهنة بمهناها و أصولها …سيمارسها وفقا لذلك كيفما كانت السياقات.

فخورة بزميلاتي وزملائي، وفخورة بنقبائنا، وفخورة بهذه المدرسة المهنية العريقة. ومن حسن حظي أن أعيش فترة التكوين والتمرين ونحن نخوض هذه المعركة، لأنها جزء من تعلمنا وتكويننا وفهمنا العميق لمعنى المحاماة ولمسؤوليتها.

وإذا كانت كل معركة تترك أثرا، فإن هذه المعركة ستترك فينا درسا أصيلا : أن الدفاع عن الحقوق يبدأ دائما بالدفاع عن الحق في الدفاع.