فن وإعلام

نوستالجيا تجاور مؤسسة "الْفَقِيهْ" مع مختبر الموسيقى والغناء التقليدي بحي "الْعَرْصَةْ" بمدينة اليوسفية الفوسفاطية

أحمد فردوس (كاتب)

ترسّخت الهوية الفوسفاطية في أبهى تجلياتها الإنسانية من خلال عبقرية المجتمع العمالي الأول في المدينة المنجمية "لْوِي جَانْتِي" اليوسفية، خصوصا بقرية لمزيندة وقرية سيدي أحمد بهضاب نجد الكنتور، ومن خلالهما ترسخ درس "تَمَغْرَبِيتْ" داخل حي الْعَرْصَةْ ـ حي السمارة حاليا ـ حيث انصهرت فسيفساء مختلف شرائح المجتمع المغربي في البوتقة الغنية بتعدد وتنوع الموروث الثقافي الشعبي باليوسفية.


لقد نُحِتَ اسم حي "الْعَرْصَةْ" في البدايات الأولى لتشكل مدينة اليوسفية المنجمية، حيث كان الحي خلال مرحلة تأسيس تجمعه العمراني يمتاز بكثافة الطبيعة، والخضرة تسيطر على دروبه وأزقته، فضلا عن تجاوره بجانب المجال الغابوي "غَابَةْ الْعَرُّوكْ/الفواشخ" قبل زحف الإسمنت، وعزل الحي بخطوط السكك الحديدية عن وسط المدينة. لكن خصوبة حي "الْعَرْصَةْ" لم تقتصر على البساتين والأشجار والأغراس، وتسييجه بشجر "السِّدْرْ" حينئذ، بل انتقلت لتصبح خصوبة اجتماعية وإنسانية، حيث سيتحول هذا الحي الضارب في القدم، من فضاء جغرافي إلى مؤسسة حاضنة، استوعبت الهجرات العمالية الأولى من مختلف مناطق المغرب.


احتضن حي "الْعَرْصَةْ" باليوسفية نسبة عالية من عمال المناجم الفوسفاطية، فتشكلت بداخله خلطة إنسانية من الطبقة العاملة، منها الوافد (الدكالي، الرحماني، السوسي، الريفي، الأمازيغي، الحساني...) هذا التنوع والتعدد لم يكن مجرد تجاور سكني، بل كان بداية لتأسيس مفهوم مبكر لمواطنة عمالية واعية، على اعتبار أنه لم ينتج تصادما، بل أنتج مجتمعاً عماليا متكاملا، حيث عوّض التضامن المهني داخل المنجم، وشكل بديلا لغياب الروابط القبلية التقليدية، ليصبح حي "الْعَرْصَةْ" هو "القبيلة البديلة" والحضن الدافئ.


توثق ذاكرة العلاقات الاجتماعية والثقافية والتربوية، الأدوار الرائدة التي لعبتها مؤسسة "لْمْسِيَّدْ" الشعبية تحت إشراف "الفقيه" المربّي والمعلِّم، باعتباره كان مسؤولا عن المحافظة على الامتداد الروحي والتربوي لـ "الْمَحَضْرَةْ"، والضامن لأبناء الشغيلة الفوسفاطية عدم الانبتات عن الهوية المغربية الأصيلة وسط بيئة صناعية قاسية، وما ترمز إليه من صراع ومعاناة وآلام كان يتردد صداها من داخل أنفاق المناجم الفوسفاطية.


في سياق متصل عمل "العقل العمالي" على ترسيخ مناسبة سنوية لـ "لَمَّةْ/الدَّوْرْ" الخاص بـ "الطَّلْبَةْ والْفُقَهَاءْ" حيث تنوع القراءات بمختلف لسان لهجتنا الشعبية الحسانية والأمازيغية والدرجة المغربية في هذه المناسبة الدينية والروحية، فكانت تُخَصَّص منافسات في القراءة والسماع الصوفي بعد صلاة العشاء. ولن تكتمل الفرحة إلا بتنافس الأسر على تأثيث مكان اللقاء بأفخر الزرابي والمفروشات والوسائد في الهواء الطلق، فضلا عن تقديم أجود صواني الشاي المرفقة بِعُدَّتِهَا ولوازمها التقليدية، وتحتل رائحة الطيب والبخور أرجاء الفضاء، علاوة عن روائح إعداد أطباق الطبخ الأمازيغي والدكالي والسوسي والرحماني والعبدي لدعم المناسبة بشكل متميز ورائع. 


من جهة أخرى، كان حي "الْعَرْصَةْ"، مستقرا لشيوخ وشيخات فن العيطة والمجموعات الغنائية الشعبية بمختلف الأنماط، فكان يمثل حقيقة مؤسسة الفن الشعبي، بأعرافها وطقوسها وعاداتها، تشتغل تلقائيا على تمتين الروابط الإنسانية، على اعتبار أنها لم تكن مجرد واجهة لـ "الترفيه"، بل كانت لسان حال المعاناة واليومي، وجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الموسوم بطابع الاحترام والتقدير المتبادل، بين مختلف الفئات الاجتماعية القاطنة بالحي دون تعصب أو تمييز واحتقار. 


في سياق متصل كانت أسرة العامل الفوسفاطي بذات الحي، تتعامل بحب وعشق مع كل المجموعات الموسيقية التراثية التي استقرت به، الوافدة من مختلف المجالات الجغرافية. وكانت الشغيلة الفوسفاطية تعبر عن قبولها للفنان الشعبي "الشِّيخْ والشِّيخَةْ" دون حرج وبدون حواجز، على اعتبار أن جميع ساكنة حي "الْعَرْصَةْ" لهم نفس الحقوق والواجبات. وهذا السلوك الراقي كان يعكس "تَمَغْرَبِيتْ" الحقيقية في عمقها الشعبي، حيث الدين والفن، الالتزام والابتهاج، يتعايشان جنباً إلى جنب دون صدام أخلاقي مصطنع.


احتفال أهل الحي بشكل جماعي في المناسبات الدينية والوطنية، يعتبر من أرقى مميزات اللحمة الشعبية، وكان بمثابة آلية دفاعية ونفسية لمواجهة قساوة العمل المنجمي، حيث حولت خاصية تبادل الكرم والطقوس والعادات التي حملها العمال من قراهم وبواديهم الأصلية ـ حوّلت ـ حي "الْعَرْصَةْ" إلى مسرح مفتوح للموروث اللامادي المغربي حيث يمكن التأكيد على أن عمال مناجم الفوسفاط صنعوا وقتئذ بعرقهم، ونساؤهم بأهازيجهن، وأطفالهم بصخبهم في أزقة الحي ذاكرة مشبعة بالمشاهد الرائعة والجميلة بعيدا عن أضواء المواسم الرسمية وضجيج أبواق الحفلات التجارية.


من مشاهد لحظات الإبداع وصناعة الفرجة التي مازالت صورها تتراقص في بعض الأمكنة بذات الحي، تلك التي كانت المجموعات الشعبية تلتقي فيها وتجتمع تحت سقف واحد، يجتمع فيها شْيُوخْ وشِيخَاتْ فن العيطة، في لمة استثنائية داخل منزل أحد العمال الفوسفاطيين في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، حيث كانت تُوَفَّر كل شروط الراحة والإقامة والتغذية بمساهمة ثلة من عمال المناجم لدعم صندوق أمين الحرفة المرحوم الشِّيخْ الرِّيَّاحِي.


في تلك الفترة الزاهية، لم تكن تلك اللقاءات الفنية والتراثية الشعبية، لمجرد السّمر والترفيه والترويح عن النفس، بل كانت بمثابة "ديوان" امتحان وتفتيش وتدقيق لكل رواد ورائدات الأنماط الغنائية ذات الصلة بالموسيقى والغناء التقليدي وخصوصا فن العيطة. 


كانت "الَّلمَة" الفرجوية تدوم ليلتين متتاليتين، تشهد تناوب تباري ربعات الشّْيُوخْ والشِّيخَاتْ "الطَّبَّعَاتْ" على منصة "لَفْرَاجَةْ" دون استعمال مكبرات الصوت. كان الهدف الوحيد هو تبادل المعلومة الفنية والموسيقية، والاحتكاك بين العازف والفنانة والفنان المؤدي للقطع الغنائية، حيث لا مجال لإخفاء عيوب العزف والإيقاع خلف صخب الصوت الإليكتروني "الكمنجة، لوتار، الطعريجة، البندير" تُسمع بنقائها الفطري. كانت الفرصة سانحة وقتئذ لاختبار حناجر الصوت البشري، الذي يشترط فيه تمتلك "الرَّنَّةْ" و "الْخَامَةْ" والقدرة على ملء الفضاء اعتمادا على التنفس الصحيح وقوة الطبقة الصوتية "المقامات العيطية الحادة"، وهو ما يُبرز الشيوخ والشيخات الحقيقيين من المدّعين.


كان المختبر الفني لحي "الْعَرْصَةْ" مسرحا لمبارزة فنية شريفة، بين "الرْبَاعَاتْ" المدعوة من خلفيات مجالية متعددة للمشاركة كضيوف في "الدَّوْرْ"، من مجالات: الشاوية، الغرب، الحوز، دكالة، عبدة، الشياظمة...) حيث تشتد المواجهة الفنية لحيازة الاعتراف التراثي. إن الشِّيخَة المتميزة، والشِّيخ الذي يحفظ متوناً نادرة أو يتملك مهارات العزف والإيقاع والأداء، كان يفرض احترامه على الجميع، حيث ساهم هذا التبادل بشكل غير مباشر في الإرتقاء وتطوير متن العيطة داخل مختبر مدينة اليوسفية العمالية، لتصبح المدينة نقطة التقاء فريدة بين أنماط فن العيطة والغناء الشعبي بتعدد روافده وخصوصياته.


إن "الدَّوْرْ" أو "لَمَّةْ" مجموعات الشّْيُوخْ والشِّيخَاتْ الذي كان يقام سنويا وسط الحي كان يوصف بـ "كرم عمال المناجم" بل كان يعكس كيف كان العامل المنجمي، بالرغم من الجهد والعناء وشقاء ومعاناة واقع "الْغَارْ" يقتطع من قُوته ومن وقته ليحتضن هؤلاء الفنانين. هذا الكرم كان بمثابة رعاية شعبية للفن، في وقت كانت فيه هذه الفنون تُحارب أو تُهمّش من طرف بعض التيارات الفكرية أو المؤسسية بدعوى "التحديث".


إن ممارسة الموسيقى والغناء التقليدي في حي "الْعَرْصَةْ" سابقا، بهذا الرقي والالتزام بشروط الأداء الفطري، ينفي عن فن العيطة تماماً تهمة "الابتذال" التي ألصقتها بها النظرة البورجوازية أو المحافظة أحيانا، ويعيد صياغتها كـ "فعل مقاومة ثقافية" قاده عمال المناجم بمدينة اليوسفية للحفاظ على دفء هويتهم.


حين نستنطق الذاكرة، نستحضر اسم الشيخة الطَّبَّاعَةْ فاطنة بنت الحسين وخدوج العبدية وفنانات أخريات، فنحن نتحدث عن أيقونات فن العيطة الحصباوية والعبدية اللواتي شربن من ينبوع هذا الحي التراثي في البدايات. 


وحين ينضاف إليهن أسماء شيخات وشيوخ وازنون مروا من مختبر حي "الْعَرْصَةْ" من أمثال الْكَمَنْجِي "صَالَحْ بُوتَارْتِيَّةْ" والشيخ "وَلْدْ حَمْدَاشْ" والْكَمَنْجِي الشيخ الحوزي "الْحَرْبِيلِي" وعازف العود الشيخ "الرِّيَّاحِي" وشيخ الكمان "غْرِيبُو" والشيخة الحادقة "مَلِيكَةْ" والفنان "وَلْدْ الْعُودْ" والشيخ "عبد اللطيف لَكْحَلْ" والشيخ "عبد اللطيف لَمْقَدَّمْ" والشيخة "نَعِيمَةْ الْفَّايْشْخِيَّةْ" و "نَعِيمَةْ الْبِيضَاوِيَّةْ". والعديد من أسماء شيخات الحوز الرائدات رحمهن الله، إلى جانب الشيخ "مَصْطَفَى الْعَوْنِي" وضابط الإيقاع "سِّي عَبْدْ الْقَادَرْ" والشيخ "أحْمَدْ كْرِيشَةْ" والشيخ "أحْمَدْ وَلْدْ خَاوَةْ" والشيخ "لَعْوَيْطِي وَلْدْ سِّي سَلَّامْ" والشِّيخَةْ الرائعة "الدَّخْنُونِيَّةْ" و "فَطُّومَةْ" و "مِينَةْ"...وغيرهم وغيرهن، منهم من توفاهم الله.


فهذه ليست مجرد قائمة عابرة، بل هي الديوان الذهبي لمختبر الموسيقى والغناء التقليدي بمدينة اليوسفية، في تداخلها مع التاريخ عمال المناجم، إنها الأرستقراطية الشعبية التي وطئت أقدامها تراب حي "الْعَرْصَةْ". فهذا يعني أن هذا الحي الشعبي كان يُمثل مختبر التمييز الفني، على اعتبار أن الفنان الذي لا يمر من منافسات "الدَّوْرْ/الَّلمَّةْ" ولا ينال اعتراف جمهورها المنجمي الذواق، لم يكن يُعتبر قد حاز "الْمَشْيَخَةْ" في عالم فن العيطة والغناء الشعبي.