إن الإسلام لم يأتِ ليقدم نموذجًا دستوريًا جامدًا للدولة، ولم يحدد شكل الحكم، ولا طريقة اختيار الحاكم، ولا طبيعة المؤسسات السياسية والإدارية، وإنما وضع منظومة من المبادئ والقيم الكلية التي ينبغي أن تقوم عليها حياة الناس، وفي مقدمتها العدل، والشورى، والحرية، والمساواة، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق المصلحة العامة، ورفع الظلم. وهذا يدل على أن الوحي انصرف إلى بيان الغايات، بينما ترك الوسائل لاجتهاد الإنسان وفق مقتضيات الزمان والمكان، لأن الوسائل بطبيعتها متغيرة، أما المقاصد فهي ثابتة.
وقد قرر علماء المقاصد أن الأحكام نوعان: أحكام ثابتة مقصودة لذاتها، تتعلق بحفظ الضروريات الخمس؛ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهذه لا تقبل التغيير، وأحكام ووسائل شرعت لتحقيق تلك المقاصد، فتتغير صورها بحسب اختلاف البيئات والأعراف والمصالح. ومن هنا جاءت مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، إذ جمعت بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيقات.
وانطلاقًا من هذا التمييز، فإن السياسة ليست كلها من الدين، كما أنها ليست منفصلة عنه تمامًا. فإذا أريد بالسياسة منظومة القيم التي دعا إليها الإسلام، كالعدل، والأمانة، ومحاربة الفساد، وصيانة الحقوق، فهي جزء من الدين لأنها تمثل مقاصده الكبرى. أما إذا أريد بها شكل النظام السياسي، أو طريقة انتخاب الحاكم، أو مدة ولايته، أو طبيعة السلطات، أو شكل البرلمان، أو النظام الرئاسي أو البرلماني، فإن هذه كلها تدخل في دائرة الاجتهاد البشري، لأنها وسائل لتحقيق المقاصد وليست مقاصد في ذاتها.
ويؤكد التاريخ الإسلامي هذا الفهم؛ إذ لم تكن هناك طريقة واحدة لاختيار الخلفاء بعد وفاة النبي ﷺ، فقد اختلفت وسائل اختيار الخلفاء الراشدين باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية، ولو كانت هناك طريقة شرعية ملزمة لما وقع هذا التنوع. وهذا يدل على أن الإسلام لم يفرض نموذجًا سياسيًا واحدًا، وإنما ترك للأمة حرية الاجتهاد بما يحقق مصالحها ويحفظ وحدتها.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الدين والتاريخ؛ فالدين هو الوحي المعصوم، أما التاريخ فهو اجتهاد البشر، يصيب ويخطئ. والخطأ المنهجي الكبير هو تحويل التجارب التاريخية إلى جزء من العقيدة، حتى يصبح نقدها وكأنه نقد للإسلام نفسه، مع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يدركون أن اجتهاداتهم السياسية ليست وحيًا، ولذلك كانوا يراجعونها إذا ظهرت لهم مصلحة أرجح.
إن التجديد الفقهي في العصر الحديث لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال هذا التمييز بين الثابت والمتغير، وبين المقاصد والوسائل، لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس، لا لتجميد التاريخ في صورة واحدة. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: ما هو شكل الدولة الإسلامية؟ وإنما: أي نظام سياسي هو الأقدر على تحقيق العدل، وصيانة الحقوق، وضمان الحريات، وتحقيق مصالح المجتمع؟ فإذا تحققت هذه المقاصد، فقد تحقق جوهر الشريعة، مهما اختلفت أسماء الأنظمة السياسية.
وينطبق الأمر نفسه على مبدأ الشورى؛ فالقرآن الكريم أمر بها، لكنه لم يحدد تفاصيلها المؤسسية، فلم يبين عدد أعضائها، ولا طريقة اختيارهم، ولا آليات التصويت، ولا شكل المجالس. وهذا يدل على أن الشورى قيمة ومبدأ شرعي يراد به منع الاستبداد وإشراك الأمة في صناعة القرار، أما الوسائل التي تحقق هذا المقصد فتخضع لاجتهاد المسلمين بحسب ظروفهم. ولذلك يمكن أن تتحقق الشورى اليوم من خلال البرلمانات المنتخبة، أو المؤسسات الدستورية، أو آليات الرقابة والمساءلة، ما دامت تحقق الغاية التي قصدها الشرع.
كما يدل حديث النبي ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» على أن المجالات التي تقوم على الخبرة البشرية، ومنها كثير من شؤون الإدارة والسياسة، تُترك لاجتهاد الإنسان، ما دامت لا تصادم نصًا قطعيًا ولا تهدم مقصدًا شرعيًا.
ومن هنا فإن الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة. فلا قيمة لدولة تحمل اسم "إسلامية" إذا مارست الظلم والاستبداد وانتهكت الحقوق، كما أن عدم حمل دولة لهذا الاسم لا يمنع من تحقيقها لكثير من مقاصد الإسلام إذا قامت على العدل، وسيادة القانون، وصيانة الكرامة الإنسانية، وحفظ الحقوق العامة. فميزان الإسلام هو تحقيق المقاصد، لا مجرد الشعارات والأسماء.
ولهذا فإن مصطلح "الدولة الإسلامية" ليس مصطلحًا قرآنيًا ولا نبويًا، وإنما هو تعبير اجتهادي ظهر في سياقات تاريخية معينة. فالقرآن تحدث عن إقامة العدل، والاستخلاف، والأمة، وإقامة القسط، ولم يضع تعريفًا دستوريًا للدولة، ولا ألزم المسلمين باسم معين أو هيكل سياسي محدد. كما أن تاريخ المسلمين شهد تنوعًا كبيرًا في أنماط الحكم، من عصر الخلفاء الراشدين إلى الدول الأموية والعباسية والعثمانية، ولم يعتبر كبار الفقهاء أن أحد هذه النماذج هو الصورة الوحيدة الملزمة للأمة.
ومن أبرز القضايا التي يثار حولها الجدل اليوم الدعوة إلى إعادة نظام الخلافة. والقراءة المقاصدية تقتضي التمييز بين المبدأ والتجربة؛ فالمبدأ هو إقامة العدل، وتحقيق المصالح، وصيانة الحقوق، أما الخلافة فهي إحدى الصيغ التاريخية التي اجتهد بها المسلمون لتحقيق تلك المقاصد في ظروف عصرهم. ولذلك فإن قداسة المقاصد لا تستلزم قداسة الوسائل.
ولم يرد في القرآن الكريم نص قطعي يُلزم المسلمين بإقامة نظام يحمل اسم "الخلافة"، كما لم يحدد شكل السلطة أو طريقة انتقال الحكم. ولو كان ذلك من أصول الدين لكان بيانه أوضح من بيان كثير من الأحكام الفرعية. ولهذا قرر علماء الأصول أن الإمامة من المصالح العامة التي تختلف وسائل تحقيقها باختلاف الأزمنة والأمكنة، وأن الأحكام المبنية على الأعراف والمصالح تتغير بتغير الواقع.
كما بين علماء الاجتماع الإسلامي أن الدول تخضع لسنن العمران والتاريخ، وتنشأ وتتطور وتضعف بحسب عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، وليس بمجرد رفع الشعارات. ولذلك فإن محاولة استنساخ تجربة سياسية نشأت قبل أربعة عشر قرنًا في عالم مختلف تمامًا قد لا تحقق مقاصد الشريعة، بل قد تؤدي إلى تعطيلها إذا تجاهلت تغير الواقع.
ولا يعني هذا الفصل بين الدين والاجتهاد السياسي الدعوة إلى إقصاء الدين عن الحياة العامة، فالإسلام يقدم منظومة أخلاقية وتشريعية ينبغي أن توجه المجتمع والدولة معًا، لكنه لا يحول الاجتهادات السياسية إلى نصوص مقدسة. فالدين يهذب السلطة ويضع لها الضوابط الأخلاقية، لكنه يترك للناس حرية اختيار الوسائل والمؤسسات التي تحقق تلك القيم.
ومن هنا ينبغي التمييز بين دولة تستلهم المرجعية القيمية للإسلام، فتجعل العدل، والحرية، والرحمة، وحفظ الحقوق أساسًا لسياساتها، وبين دولة تؤدلج الدين، وتجعل فهمًا بشريًا معينًا للدين فوق النقد والمراجعة. فالأولى تفتح باب الاجتهاد والتطوير، والثانية تغلقه، مع أن الاجتهاد كان أحد أهم أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية عبر تاريخها.
إن المقاصد الكبرى للشريعة لا تتمثل في إقامة اسم معين للدولة، ولا في إعادة مؤسسة تاريخية بعينها، وإنما في بناء مجتمع يحفظ للإنسان دينه، ونفسه، وعقله، وماله، وكرامته، ويحقق الأمن، والعدل، والحرية، والتكافل، وسيادة القانون. فإذا استطاعت المؤسسات الدستورية المعاصرة، وآليات المشاركة الشعبية، والرقابة، والمساءلة، أن تحقق هذه المقاصد، فإنها تكون منسجمة مع روح الشريعة، ولو اختلفت عن النماذج التاريخية القديمة.
وبذلك يتحول السؤال من: كيف نعيد دولة الماضي؟ إلى: كيف نبني دولة تحقق مقاصد الإسلام في الحاضر؟ ومن: كيف نستنسخ تجربة تاريخية؟ إلى: كيف نبدع تجربة جديدة تستلهم الوحي، وتفهم الواقع، وتستجيب لتحديات العصر؟
وهذا هو الحد الفاصل بين الدين والاجتهاد البشري؛ فالدين هو مصدر القيم والمبادئ والمقاصد الثابتة، أما السياسة فهي مجال واسع للاجتهاد، تتغير أدواته ومؤسساته بتغير المجتمعات، وتُقاس شرعيته بقدرته على تحقيق العدل، وجلب المصالح، ودفع المفاسد.
ومن أعظم خصائص الشريعة أنها جعلت المقاصد ثابتة لتحفظ هوية الأمة، وجعلت الوسائل مرنة لتستوعب تطور الحضارة الإنسانية. ولذلك بقي الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان، لا لأنه فرض نظامًا سياسيًا واحدًا، وإنما لأنه منح الإنسانية منظومة من القيم والمبادئ التي تهديها إلى بناء أنظمة عادلة تحقق الخير للناس في كل عصر.
إن الوفاء الحقيقي للإسلام لا يكون بتقديس النماذج التاريخية، وإنما بإحياء مقاصده الكلية في واقع متجدد، لأن الحضارات لا تنهض بتكرار الماضي، بل بإبداع المستقبل في ضوء هداية الوحي، وبذلك تبقى المقاصد الشرعية الجسر الذي يصل بين ثبات الرسالة وحركة التاريخ، وبين هداية السماء واجتهاد الإنسان.






