1- كانت جلسة يوم السبت 20 يونيو 2026 ؛ بمقر المجلس العلمي الأعلى بالرباط، بعد صلاة العصر، جلسة تاريخية مشهودة؛ و ستبقى جلسة خاصة فريدة لا تشبه الجلسات؛ إنها جلسة تكريم أعضاء المجلس العلمي الأعلى من علماء و فقهاء المملكة الشريفة ومنهم معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، للعلامة سيدي محمد يسف ؛ فهو العالم الرباني المتواضع، خادم القرآن، و سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ و الخافض جناحه للعلماء، و أهل القرآن، و الدعاة الى الله..
2 - عرفت الدكتور سيدي محمد يسف في أكثر من جلسة معه شخصيا بمكتبه بمقر المجلس العلمي الاعلى - المقر السابق - ؛ سنوات 2013 و 2021 ؛ أطلب من كاتبه الخاص سيدي ابراهيم ألواح لقاءه ، فيستجيب..
سيدي محمد يسف يحب مجالسة العلماء ؛ و إكرامهم و الإستماع إلى حديثهم؛ إن لم أقل أنه يستمتع وهو يستمع إلى الإنجازات و الإضافات و المشاريع المنجزة التي تخدم بيوت الله و دين الله و كلام الله ..
كنت أجد عالما جاوز الثمانية عقود عمرا، لكن يحمل قلبا شابا ؛ مخموما بهموم الشباب، و تطلعات الشباب ،و عنفوان الشباب، و أمل الشباب.. كلما حدثته عن أحلام في المجال الدعوي؛ أجد أحلامه هي أحلام أحلامي إن كانت للأحلام أحلام !!
متقدم دائما في توقعاته؛ مستبق بالاستبصار لزمنه؛ يولد و يؤلف من كل حلم أحلاما ، و من كل أمل آمالا ..
في كلماته مزيج من زهد الزهاد؛ و حكمة الحكماء؛ و فروسية السرايا النبوية ..
3 - أذكر أنني قلت له في جلستي معه ؛ بتاريخ أكتوبر 2013 : " سيدي؛ هذا المعهد المقابل لمقر المجلس العلمي - معهد تعليمي حداثي جدا - يحتاج نوعا خاصا من الدعاة، و قاموسا خاصا من الخطاب " .. فأجابني فضيلته :" يا بني ؛ أحيانا الخطاب يكون خلقا وسلوكا؛ و قدوة حية، ترى و لا تسمع "..
لقد كانت هذه الكلمات كافية لأعيد النظر في الكثير من الموروثات الدعوية من عهد الجامعة؛ و الدعوة الشبابية الأولى ؛ فقد فهمت ساعتها؛ بل أفهمني سيدي يسف أن " الدعوة إلى الله؛ هي في جوهرها ؛ اشتغال على الذات و على النفس ليكون الداعية أنموذجا للاقتداء ؛ وأما "الكلام" فهو أدنى مراتب الدعوة إلى الله؛ و أن مقام ( استقم) أعسر من مقام ( قل ) ؛ "فمقام القول" مقتحم من كل الناس ؛ بيد أن "مقام الفعل" لا يلقاه إلا أهل العزم و الإصطبار..
4 - صدقوني عندما تجالس العلماء الربانيين؛ من طينة سيدي يسف؛ الذين اقتحموا الدعوة الى الله دهرا من "باب الخلق" ؛ ثم اصطفاهم الله لحملها من "باب السلطان" ؛ تدرك أن عدم تسلح الداعية "بحكمة السيرة النبوية" عيب و نقص لا يليق ؛ فسيرة سيدنا رسول الله هي مساحة و مجال تجلي الحكمة النبوية ؛ فالسيرة هي القرآن و السنة عندما يلامسان التاريخ و النسبي و العابر ؛ وفي الملامسة و المخالطة تقع الأعطاب و يبلى المؤمنون ؛ ألم يقل ربنا ( وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات و قليل ما هم ) ؟ - الآية - ؛ فالملامسة نوع من اختلاط الوحي المطلق، بالواقع النسبي؛ و اختلاط كلام الله بأهواء البشر ؛ و اختلاط "بيان النبي" بمصالح أهل الدنيا .. ويمكن اعتبار العلامة محمد يسف أحد الذين أكرمهم الله بادراك "حكمة السيرة النبوية" ؛ فهو أحد المتخصصين و المؤلفين و المدققين و المدرسين لسيرة رسول الله المعظم رواية ودراية .. ثم إن تقلبه في عدد من المناصب تدريسا بالجامعة ؛ و تكوينا لأولي الأمر بمعهد الإدارة الترابية ؛ و تدبيرا للشأن الديني من موقع الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى؛ قد اكسبته جمعا فريدا بين فهم الوحي مجردا، و استيعاب السيرة حركة، و تنزيل الدعوة الإسلامية دولة.. وهي توليفة قلما تجتمع لداعية إلا بحكمة ملقاة من الله سبحانه على قلب من يحب من عباده..
5 - ويجدينا في هذا السياق أن نستذكر ما باح به معالي وزير الأوقاف في جلسة التكريم، من أنه اشتغل بجوار الدكتور يسف لمدة ربع قرن، وأنه يشهد أن الرجل كان عالما ،متواضعا، ذكيا جدا، وحاملا لواء خدمة الإسلام بغيرة فريدة ، و أنه كان يستقبل كل ابتلاء إداري في مسيرته بكثير من الجلد و الصبر و المسؤولية والرضا - ألم يقل أهل الله أن مقام الرضا هو استقبال القضاء بالفرح - ..
وختم معالي الوزير بوحه بالقول : (.. وأشد ما عظم سيدي يسف في عيني؛ أنه رجل زاهد؛ لم يطلب يوما لنفسه شيئا ) ..
6 - أما كلمات الأمين العام الجديد العلامة العارف بالله الدكتور سيدي اليزيد الراضي فقد كانت "توديعا" فعل في النفوس فعل "مرثية مبكية" في حق الرجل؛ فقد ألقى سيدي اليزيد بكلمات مكتوبة بحبر مسقي بأنوار الحرم و الروضة الشريفة ؛ كلمات تسبقها فيوض أنوار يلين لها القلب، و يقشعر منها الجلد ؛ و تدمع منها العين..
لقد خاطب سيدي اليزيد العلماء - وكأنه يقول - :" سادتي العلماء ؛ ما أنتم فاعلون و أنا معكم ؛ إذا ترجل هذا الفارس العلامة سيدي يسف؛ هل فيكم من شهد الهجرة إلى الحبشة مثله ؟ أو شهد العقبة مثله؛ أو شد بخطام القصواء مثله ؟
نعم شهد بعضنا معه بدرا و أحد ؛ ولكن كان هو الأقرب و المستشار للعريش؛ و ما في جسده موضع شبر إلا ضربة سيف أو طعنة رمح .. أجيبوني رحمكم الله؛ سادتي العلماء ؛ ورب الكعبة ، إني سأتولى هذا الأمر بعده؛ و وددت لو توفاني الله قبل هذا اليوم..
فيا أخي محمد يسف لقد أتعبت من سيأتي بعدك.. و لولا الطاعة الواجبة لأمير المؤمنين لاعتذرت تأدبا ؛ عن امتطاء صهوة فرس أنت كنت امتطيته .."
7- حاصل القول ؛ قد كان التكريم بحضور أسرة العلامة سيدي يسف ؛ وقد غمر القاعة مزيج من مشاعر البهجة بالتكريم، و مشاعر الأسى للفراق ؛ ولولا الشاشة الضخمة على جدار القاعة التي عرضت فيها لقطة بهية لمولانا أمير المؤمنين أعزه الله وهو يوشح صدر سيدي يسف بوسام العرش من درجة ضابط كبير ؛ لبقيت مشاعر أسى الفراق تعتلج في النفوس..
إلا أن صورة أمير المؤمنين و يديه الكريمتين تضعان الوسام على صدر يحمل قلبا أبيضا سليما ؛ قد جعلت هذا الوداع " تعيينا جديدا " على رأس الأمانة العامة لقلوب العلماء ..
8 - حفظك الله سيدي يسف ؛ فستبقى في قلوبنا من رجالات التجديد في الدعوة الى الله؛ نشهد أنك أديت الأمانة و وفيت ..
ووفقك الله سيدي اليزيد الراضي؛ عرفتك أستاذا لي لمادة البلاغة سنة 1992 بكلية الآداب ابن زهر بأكادير ؛ لازلت رغم شيبتك انت أنت ؛ بقايا سمت شيوخ المدارس العتيقة ؛ وآثار سادات التربية الصوفية و أهل السر؛ و مشية أهل الله الذين يمشون على الأرض هونا ؛ و بردة السوسي المستند إلى سارية المسجد يرقب طلبة العلم يغسلون ألواحهم بالصلصال ليكتب لهم بالسمغ كلام ربهم .. سبحان الله ؛ لازلت أنت أنت، لا تريد من هذه الدنيا شيئا ..
9 - أعتذر لكم سيدي الراضي ؛ ربما كانت شهادتي هذه؛ قد لقنتها منك آنذاك في قسم البلاغة؛ لأعلنها بعد "ثلاث و ثلاثين سنة" نيابة عنك توديعا لسيدي محمد يسف؛ و ترحيبا بك سيدي اليزيد الراضي ؛ "و الله غالب على أمره، و لكن أكثر الناس لا يعلمون"..






