تتردد على الألسنة المغربية عبارة "العين ادْيالْنا صعيبة!" كترجمة ممتدة لخوف إنساني غائر في القدم من قوة خفية قادرة على تحويل النعمة إلى نقمة، والوفرة إلى زوال. إنها "العين الشريرة" أو "الحسد" الذي يتجاوز مجرد التمني القلبي بزوال النعمة، ليتحول في الوجدان الشعبي والعالمي إلى طاقة موجهة تكاد تكون مادية في تدميرها.
1. مفهوم "العين" كجارحة بطاقة سالبة ومعطلة
لا تُفهم العين هنا بوصفها مجرد عضو بصري يربط الإنسان بالعالم الخارجي، بل كـ"رادار" نفسي مشحون . عندما تنطلق نظرة الإعجاب المشوبة بالحسد أو الانبهار الخالي من التبريك، فإنها تعمل كـمقذوف من الطاقة السلبية المعطلة. هذه الطاقة تفرمل مسارات النجاح، وتخترق الهالة النفسية للمستهدف (المعيون)، مما يترتب عنه وهن جسدي مفاجئ، أو عطب طارئ في الممتلكات، أو انقلاب مفاجئ في المزاج والخطط، وكأن العين مغناطيس يجذب النحس ويعطل طاقة الإنجاز.
2. العين في التراث العربي الإسلامي
لم تكن العين مجرد خرافة شعبية في المأثور العربي، بل جرى تقعيدها وتأصيل وجودها وتأثيرها في الوحيين:
في القرآن الكريم ، أثبت الله تعالى أثر العين في أواخر سورة القلم، حيث قال عز وجل: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [القلم: 51-52]. وقد أجمع المفسرون على أن "ليزلقونك بأبصارهم" تعني يصيبونك بالعين بحقدهم.
في السنة النبوية المطهرة ، وردت أحاديث صريحة تحذر من خطورتها وتؤكد واقعيتها، ومن أشهرها:
قوله ﷺ "العَيْنُ حَقٌّ، ولو كانَ شيءٌ سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ" (رواه مسلم).
قوله ﷺ "العين تُدخل الرجل القبر، وتُدخل الجمل القدر" (حسنّه الألباني)، في إشارة واضحة لفتكها السريع بالأنفس والأموال.
3. الأقوام والقبائل المشهورة بـ "العين" (العيّانة)
عبر التاريخ العربي، عُرفت أقوام وقبائل بعينها بحدة النظر وقدرتها الفائقة على الإصابة بالعين، حتى أُطلق عليهم **"العيّانة"**.
* في الجاهلية وصدر الإسلام، كانت بنو أسد من أشهر القبائل التي عُرف أفرادها بالقدرة على إصابة الأشياء بعيونهم؛ فكان الرجل منهم يجوع يوماً أو يومين، ثم يمر بالإبل أو الغنم فيقول: "ما رأيت كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه"، فلا تبرح مكانها حتى تسقط أو تمرض.
* بل إن بعض أصحاب العيون الحادة كانوا يُحبسون تاريخياً أو يُفرض عليهم عدم الخروج في بعض الحواضر اتقاءً لشرهم الفاتك بالأفراد والمواشي والمحاصيل.
4. العين في تراث الغرب المسيحي
الخوف من العين ليس حكراً على الثقافة العربية الإسلامية، بل هو معتقد كوني. في الغرب المسيحي، تُعرف العين الشريرة بـ(The Evil Eye) أو (Malocchio) في الثقافة الإيطالية.
* إيطاليا (المالوكيو) ، يرى الوجدان الشعبي الإيطالي (خاصة في الجنوب) أن العين قادرة على جلب الأمراض والنحس. ولتجنبها، يُعلّق الإيطاليون تميمة على شكل قرن أحمر يُدعى *(Cornicello)*.
*اليونان وثقافة المتوسط ، يعتقد اليونانيون الأرثوذكس بالعين (Mati)، ويرتدون الخرزة الزرقاء لدفعها، ويؤمنون أن الإطراء المبالغ فيه دون تعويذ أو محاكاة البصق الرمزي يجلب المرض للمستهدف.
5. الاتقاء من العين ودفع شرها
تنوعت الوسائل البشرية لمواجهة هذا الخطر وتثبيط طاقته السلبية، وانقسمت بين الطرق الشرعية والممارسات التراثية الشعبية:
*أذكار وأقوال مأثورة (الجانب الشرعي) ،
* التحصين بقراءة المعوذتين وسورة الإخلاص ، وآية الكرسي.
* التبريك عند رؤية ما يعجب المرء (قول: "تبارك الله"، أو "ما شاء الله لا قوة إلا بالله").
* رقية النبي ﷺ لسبطيه: "أُعِيذُكُما بكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِن كُلِّ شيطَانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ".
وسائل شعبية، رقيات، وتمائم
* التمائم والأحجية ، مثل "الخميسة" (يد فاطمة) والخرزة الزرقاء، والتي تُعلق في البيوت أو السيارات لتشتيت النظرة الأولى للحاسد.
*الطلاسم والبخور ، استعمال الشّب والحرمل والمستكة، وتمرير بخرها على المحسود لـ "تفركيع" طاقة العين.
*الرقيات الشعبية ، تلاوة عبارات مسجوعة أثناء حرق الأعشاب مثل: *"عين بنادم تخرج منها عافيه" أو "عين الفلان، تفركع كيف الرّمان".
6. العين المغربية: لماذا كانت بطاقة سلبية مدمرة؟
في المتخيل الشعبي المغربي، تكتسي "العين" هيبة وصدمة خاصة. فالمغاربة ينظرون إليها كطاقة مدمرة لسببين: شدة الملاحظة وقوة الانبهار المشوب بالمقارنة الفورية (علاش هو وأنا لا؟). تظهر هذه القوة في تفاصيل يومية غريبة ومثيرة:
أمثلة من الواقع المغربي ؛
* تعيين الأم لولدها أو ابنتها ، من المفارقات أن العين قد تأتي من أقرب الناس نتيجة الحب المفرط والانبهار. فتجد الأم تمدح جمال ابنتها أو ذكاء ابنها أمام الملأ، لتفاجأ في المساء بإصابة الولد بحمى مفاجئة أو سقوط البنت وكسر رجلها، وهي الظاهرة المعروفة شعبياً بـ "العين الحارة د الوالدين".
*بدر هاري وتراجع منازلاته ، يُضرب بالملاكم العالمي بدر هاري المثل في هذا السياق؛ فحينما كان يقاتل في بداياته بعيداً عن الأضواء المغربية الكثيفة، كان يسحق خصومه بالضربة القاضية في ثوانٍ. لكن، ما إن تحول إلى بطل قومي تشرئب إليه أعين ملايين المغاربة في نفس اللحظة خلف الشاشات، حتى بدأت مسيرته تشهد انتكاسات غريبة (إصابات مفاجئة في الحلبة، كسر في الساق، نرفزة غير مبررة)، وهو ما يفسره العقل الشعبي بـ "رادار العين الجماعية المغربية" التي لا ترحم.
المنتخب الوطني ونكساته السريعة
يتكرر السيناريو مع أسود الأطلس؛ يبدأ المنتخب البطولة بأداء مبهر تصفق له القارة والعالم، وترتفع أسهمه وتتجه نحوه ملايين الأعين المعجبة أو الحاسدة. فجأة، وفي مباراة حاسمة وضد خصم أقل تصنيفاً، ينقلب الأداء (تمريرات خاطئة، عياء بدني طارئ، غياب التوفيق أمام المرمى).
علاج هذه الانتكاسات الجماعية ؟
يرى العارفون بالتراث والنفسيات أن علاج عين "الجمهور" أو العين الجماعية يتطلب:
1. التحصين الجماعي والكتمان ، مصداقاً لقوله ﷺ: "استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود".
2. الرقية والوضوء ، إن عُرف العائن (الحاسد) يُطلب منه الاغتسال، أما في حالة العين الجماعية المجهولة، فإن الرقية الشرعية العامة، ونفث طاقة التفاؤل، وإخراج الصدقات بنية دفع البلاء، تبقى هي الحصن الحصين لكسر هذه "الطاقة السلبية" وإعادة التوازن للمعيون، فرداً كان أم جماعة ، كالمنتخب الوطني ،( على سبيل المثال )






