رياضة

الصمت ليس دائماً من ذهب

يوسف الغريب

قد يبتلع المرء ريقه الغاضب لسنوات.. ثم يكتشف فجأة أن الصمت ليس دائماً من ذهب.. بل قد يكون أحياناً تراباً يدفن فيه الآخرون حقيقتك ليصنعوا منها قصصاً وروايات مشوقة على حساب دمك وعائلتك. هذا ما تفعله النجومية بأصحابها ترفعهم إلى السماء ليكونوا أهدافاً سهلة لسهام الشائعات.

وهو ما فعلته بالضبط لاعبنا وإبننا الخلوق أشرف حكيمي الذي اعتاد أن يسد المنافذ في وجه المهاجمين يجد نفسه اليوم وقد تحول من لاعب مدافع وسط الملعب إلى مدافع عن كشف الحقيقة.. مخترقاً جدار الصمت الطويل بكلمات تقطر ثقة ونضجاً في آن واحد.

لقد نظرت العدالة في عينيه –كما يقول– وصدمته بذكائها القاسي:

  ( لو لم تكن شخصاً معروفاً لما وُجدت هذه القضية أصلاً)

  هو ثمن الشهرة الباهظ حيث يتحول النجاح إلى مصيدة والاسم اللامع إلى مبرر كافٍ لنسج الأساطير والاتهامات.

 ظل عيدنا الوطني يلوذ بالصبر ظناً منه أن الكرامة تتطلب الترافع.. وأن القضاء سينصفه في صمت.

 لكن الذئاب الإعلامية لا تحترم الصامتين بل تفترس صمتهم وتملأ الفراغ بأكاذيب تنهش الحياة الخاصة حتى شعر نجمتنا المغربي أن السكوت لم يعد فضيلة بل صار تواطؤاً ضد الحقيقة التي يعشقها ويسعى إليها.


والغريب بل والمثير هو هذا التوقيت بالذات. يختار حكيمي أن يتكلم والمنتخب الوطني المغربي يدخل غمار المقابلة الثانية من إقصائيات كأس العالم. إنها ضربة معلم تشبه تمريراته الحاسمات في الملعب.

في اللحظة التي تلتف فيها الملايين حول "أسود الأطلس" يقرر حكيمي أن ينفض عن كاهله غبار التشويش ليذهب إلى معركته الوطنية بذهن صافٍ وقلب غير مثقل بالهموم الخفية. إنه يعلن براءته أمام جماهيره أولاً ليقود طموحات بلاده المونديالية دون أن تلتفت عيناه إلى الخلف.

إن حكيمي اليوم لا يدافع من موقع الضعف بل يتحدى وينتظر المحاكمة بفارغ الصبر كمن ينتظر صافرة البداية لمباراة العمر. وعبارته الختامية

 (وأخيراً، سأتمكن من الكلام)

ليست مجرد تنفيس عن غضب مكتوم بل هي إعلان عن ميلاد جديد ميلاد إنسان قرر أن يسترد روايته من أيدي العابرين ويكتب سطور حياته بقلمه هو لا بأوهام الآخرين ليعود إلى معشوقته المستديرة متحرراً.. قوياً.. وجاهزاً لانتصار أكبر من مجرد فوز في مباراة كرة قدم.