رياضة

أسود الأطلس هُم مغاربة إلى الأبد بالانتماء وقوة الدستور والقانون!

نور الدين اليزيد (صحفي)

الخبر/الصورة الذي كانت من ورائه بداية منابر وصفحات اسبانية ثم فرنسية وروّجت له حسابات وصفحات وحتى منابر عربية على نطاق واسع وبخُبث خبيث ينم عن حقد دفين، حول مسقط رأس اللاعبين المغاربة، في تشكيك حقير في مغربية أسود الأطلس، ليس صُدفة أن ينتشر على نطاق واسع بالموازاة مع خوض الأسود أوّل مباراة في نهائيات كأس العالم، ويظهرون فيها البلاء الحسن والاستعداد القوي ليوقعوا على بطولة متألقة مرة أخرى، ولذلك بدأت الأفاعي السامة تنفث سمومَها من جديد، ولاسيما تلك التي قامت بذات الفعل الدنيء من قبل وستقوم به من بعد وإلى أبد الآبدين، لأنها هكذا هي خلقت من نُطفة سامة وكارهة لكل ما هو ومَن هو مغربي !  

نود الرد على هؤلاء بالتالي وباختصار شديد:

أولا، فلتعلموا أيها الكارهون لنا، لا رحمكُم الله، بأن الإنسان المغربي يبقى مغربياً دائما وأبداً وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها -حتى وإن ازداد خارج أرض الوطن- ولا يمكن انتزاع جنسيته المغربية منه تحت أي ظرف كان ومن أي جهة كانت، بعكس الأنظمة الديكتاتورية العسكرية التسلطية الطارئة على التاريخ، التي توزع جنسية بلدانها على من تشاء وتجرّدها مِمّن تشاء ولِأتفه الأسباب أحيانا! ببساطة لأن دستور المملكة المغربية العريقة ومنظومتها القانونية تُعتبر من الدساتير والأنظمة القانونية في العالم التي لا تُجرد مواطنيها الأصليين من الجنسية مهما كانت الظروف، باعتبار أن الدستور والقانون المغربيين يتبعان في هذا الصدد المدرسة القانونية اللاتينية التي محورها وجوهرها عدم المساس بجنسية المواطنين الأصليين، وهي القاعدة التي بالنسبة للمنظومة التشريعية المغربية التي عنوانها الأبرز هو "المغربي لا يُجرد من جنسيته" بالمطلق!

ماذا يعني ذلك؟

يعني أن الدستور والقانون المغربيين يمنعان منعاً مطلقاً ويحظران حتى العقاب السياسي مثلا بالتجريد من الجنسية المغربية، خاصة بالنسبة للمواطن الأصلي أو للمواطن بالولادة أو بالنسب (أي من أب مغربي أو أم مغربية)؛ حيث تصبح الجنسية هنا جنسية محصنة بشكل مطلق، ولا يمكن للمحاكم أو القضاء ولا للحكومة ولا لأي سلطة في الدولة المغربية إسقاطها أو تجريد حاملها منها، حتى لو ارتكب الشخص أشدَّ الجرائم خطورة مثل الخيانة العظمى أو الإرهاب، إذ يعاقب القانون على مثل هذه الجرائم بالسجن أو العقوبات الجنائية لكنه لا يمس جنسية المواطن أبداً.

إذن هناك جنسية أصلية وأصيلة لمواطنين/لاعبين مغاربة لا يمكن تجريدهم منها أبداً، ومنهم اللاعبون المزدادون من أبوين مغربيين في بلاد الغربة، من قبيل مثلًا أشرف حكيمي وإسماعيل الصيباري ونصير مزراوي وبلال الخنوس وغيرهم، وكذلك حكيم زياش وسفيان بوفال ومروان الشماخ والحسين خرجة وغيرهم. أو كذلك بالنسبة للمزدادين بالخارج لكن أحد أبويهم ليس مغربياً، مثل حالة عيسى ديوب (أب سنغالي وأم مغربية) وسفيان ديوب (أب سنغالي وأم مغربية) وأمير ريتشاردسون (أب أمريكي وأم مغربية)، وسابقا المهدي بنعطية (أب مغربي وأم جزائرية) والمهدي كارسيلا (أب اسباني وأم مغربية) ومروان دا كوستا (أب برتغالي وأم مغربية) وغير هؤلاء.

وتبقى حالة اللاعب المغربي براهيم دياز نوعاً ما مختلفة ولكن شكلياً فقط، من حيث كونه مغربياً حتى ولو ازداد بالخارج (مالقا-اسبانيا) من جهة الوالد المزداد هو الآخر بمدينة مليلية المحتلة ولكن من عائلة مغربية ريفية كانت تقطن هناك، إذ في هذه الحالة ينطبق عليها ما ينطبق على جنسية المواطن الأصلي، فيُعتبر الحفيدُ هنا في نظر القانون مغربياً أصلياً بالدم والنسب منذ لحظة ولادته، حتى لو تم توثيقها واستخراج أوراقها الرسمية في سن متأخرة لأسباب مختلفة؛ بحيث لا يتم في هذه الحالة إثبات مغربيته بمنحه "جنسية جديدة" بل يتم ذلك عبر "إثبات الجنسية الأصلية". وعندما يُثبت الحفيد أن والدَه أو والدتَه ينحدر من أصول مغربية (الجد)، فإن المحكمة تصدر حكماً "كاشفاً" للجنسية وليس "منشئاً" لها. وبمجرد ما تثبت الجنسية المغربية للحفيد كحالة براهيم دياز بناءً على عروقه وأصوله (أجداده) المغربية، فإنها تصبح جنسية أصلية بقوة القانون وتلتصق به وبأبنائه من بعده، ولا تملك أي سلطة قضائية أو سياسية في المغرب الحق في إسقاطها أو التجريد منها أبداً.

وأمّا ثانيا أيها الخبثاء الجاهلون بعراقة تقاليد المغرب الراسخة والضاربة جذورها في عمق التاريخ، فإن رئيس الدولة/ملك البلد عندما يفتح أبواب قصره لأسود الأطلس العائدين من قطر بذاك الإنجاز العظيم عندما وصلوا إلى المربع الذهبي مُرفقين بأمهاتهم، فإن المشهد لم يكن فقط لأخذ اللقطة الإعلامية وهو ما اعتقده ويعتقده أصحاب النظرة السطحية غير الملمين بطبيعة الحُكم الملكي في المغرب، وإنما كانت اللقطة ضمن بروتوكول ملكي تفرضه فرضاً أجندة الجالس على العرش المغربي حبلى بالرسائل والمعاني، وأبرزها أن الارتباط المغربي والمغربية ببلادهم وبنظام بلادهم السياسي، هو ارتباط ولّاد ومتجدّد وينتقل من جيل لجيل، تلعب فيه الأمّ إضافة إلى دور المَدرسَة المعروفة به بيولوجيا وسوسيولوجيا، دورَ الساعي/ة النبيل إلى نقل هذا الارتباط المقدس عند المغاربة إلى الأبناء والذُّرية. وقد كانت مناسبة هذا الاستقبال الملكي الباذخ رسائل سانحةً أكثر عندما تزامن تألُّق الأسود بتواجد مكثف لأمهاتهم معهم خلال البطولة العالمية، وهو ما جعل المناسبة احتفاءً بأبطال مغاربة حققوا إنجازا رياضيا غير مسبوق، من جهة، ومن جهة أخرى تكريما وتقديرا للأم المغربية التي بالرغم من ابتعادها عن الوطن وخوضها لحياة الكد والسعي الصعب على الأبناء في بلاد المهجر فإنها تنجح مع ذلك في ترسيخ الوطنية وحب الوطن في نفس أبنائها!

أخيرا، نود التذكير بأن تولي مؤسسة محمد الخامس للتضامن الدورَ التنظيمي المحوري في إدارة ما تسمى "عملية مرحبا" السنوية التي تواكب عودة المهاجرين المغاربة المقيمين بالخارج إلى أرض الوطن لقضاء عطلة الصيف، ليس اعتباطا أو من باب الرفاهية البيروقراطية وإن كان هنا العمل الإداري المحض هنا ضروريا وواجا على الأقل من حيث انتفاع البلاد بعائدات هؤلاء المغاربة، وإنما من خلال مسؤولية وإشراف هذه المؤسسة الرسمية التي تحمل اسم أحد الملوك المؤسسين للدولة المغربية الحديثة، وعملها في استقبال مغاربة المهجر كل سنة بتوجيهات مباشرة من الملك من أجل توفير الدعم اللوجستي والطبي والإداري عبر منظومة إنسانية شاملة لملايين المغاربة الذين يحجون على الديار سنويا، يريد ملك البلاد أن يقول لهؤلاء إن الرعاية الملكية هاته تتعدى كونها تكافئ العائدين من الخارج بالنظر على الأقل للعائد المادي الذين يضخونه في الخزينة العامة، لتهُم بالخصوص مخاطبة وجدانهم بأن الوطن الذي يعيشون ويحيون بعيدين عنه يفتح لهم ذراعه دائما وأبدا وعمليا وفعليا، من خلال رمزية الإشراف الملكي المباشر على موسم العودة السنوي!       

بكلمات قليلات.. إذا لم تكن دارساً أو قارئاً للتاريخ أو على الأقل مطلعا على القليل منه، أو في أضعف إيمانك تستطيع النقر قليلا والبحث في محركات مواقع المعرفة على شبكة الأنترنيت، فإنه يصعب بل يستحيل عليك معرفة العلاقة المقدسة بين مغاربة العالم/ المهاجرين وبين أرضهم ووطنهم ومقدساتها!