فن وإعلام

غساسة (إغساسن): المدينة الأثرية المنسية بين مجد الماضي وإهمال الحاضر

كمال سليماني

تُعد مدينة غساسة أو إغساسن من أبرز الحواضر التاريخية التي شهدها الريف الشرقي خلال العصر الوسيط، و تقع على الساحل المتوسطي بمنطقة بطوية (إبطوين) شمال إقليم الناظور، ضمن المجال القبلي لآيث شيشار و آيث بويافر. و رغم المكانة الاقتصادية و السياسية التي إحتلتها خلال القرنين الثالث عشر و الرابع عشر الميلاديين، فإنها اليوم تعيش عزلة و تهميشاً كبيرين، حتى أصبحت تُعرف بـ"المدينة المنسية". 

غساسة في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي

شهدت غساسة أوج إزدهارها خلال العهد المريني، خاصة في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، حيث تحولت إلى مركز بحري و تجاري مهم بإقليم كرط أو شرظ. و قد فضّلها المرينيون على موانئ أخرى بسبب موقعها الإستراتيجي المطل على البحر الأبيض المتوسط و قربها من الطرق التجارية الرابطة بين فاس و الأندلس. كما إستقبل مرساها التجار القادمين من جنوة و قطالونيا، مما جعلها حلقة وصل بين المغرب و الأندلس و أوروبا المتوسطية. 

و تشير المصادر التاريخية إلى أن غساسة كانت من أغنى مدن الريف آنذاك، حيث ذكر شهاب الدين العمري أن مداخيلها الضريبية بلغت مستويات مماثلة لبعض كبريات المدن المغربية، و هو ما يعكس حجم النشاط التجاري و العمراني الذي عرفته المدينة. كما و صفها بعض المؤرخين باسم "الكدية البيضاء" نظراً لموقعها الجغرافي المميز فوق مرتفع يشرف على الساحل. 

البنية العمرانية والحضارية

كشفت الدراسات الأثرية أن غساسة كانت مدينة متكاملة تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية: القلعة، و المدينة السكنية، و المرسى البحري. و كانت أسوارها تمتد على أكثر من كيلومترين، ما يدل على إتساعها و أهميتها مقارنة بعدد من المدن الساحلية المعاصرة لها. و قد شكلت مركزاً إدارياً و عسكرياً و تجارياً مهماً في المنطقة. 

أسباب التراجع و الاندثار

بدأت أهمية غساسة تتراجع مع التحولات السياسية و العسكرية التي عرفها غرب البحر المتوسط في أواخر العصر الوسيط. وبعد سقوط الأندلس سنة 1492، مر بها أبو عبد الله الصغير آخر ملوك بني نصر قبل استقراره بالمغرب. ثم تعرضت للاحتلال الإسباني سنة 1506، وهو ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منها و انهيار دورها التجاري تدريجياً حتى تحولت إلى أطلال. 

وضعية الموقع الأثري اليوم

رغم القيمة التاريخية و العلمية للموقع، فإن غساسة تعاني حالياً من الإهمال و غياب برامج الحماية و التثمين. فقد تعرضت أجزاء من معالمها للاندثار بفعل العوامل الطبيعية، كما ساهمت المقالع الرملية و نهب الأحجار الأثرية والحفريات العشوائية في تسريع تدهور ما تبقى من أسوارها ومبانيها. و يؤكد باحثون و مهتمون بالتراث أن الموقع مهدد بفقدان جزء كبير من ذاكرته العمرانية إذا لم تتدخل الجهات المختصة لحمايته وتصنيفه ضمن المواقع الأثرية الوطنية ذات الأولوية. 

غير أنه في الأونة الأخيرة تحول الموقع الأثري إغساسن إلى مصدر إهتمام لمجموعة من الباحثين الذين كشفوا أهمية هذا الموقع الأثري من خلال مجموعة من المصادر التاريخية، و الدخول في الخط لبعض جمعيات من المجتمع المدني بآيث شيشار التي بدورها ترافعت إلى المجلس الجماعي لبني شيكر من أجل حماية هذا الموقع التاريخي ذات أهمية كبيرة بالنسبة للمنطقة و الوطن، حيث قام المجلس الجماعي لبني شيكر مراسلة وزارة الشباب و الثقافة لإدراج الموقع غساسة ضمن خريطة التراث الوطني و حماية و صيانة هذا الموروث من الإتلاف، فإستجابت الوزارة المعنية لهذا الغرض في الجريدة الرسمية بقرار وزاري تحت رقم 787.26 بتاريخ 13 أبريل 2026

ختاما

تمثل غساسة شاهداً حياً على الدور الحضاري و التجاري و السياسي الذي لعبه الريف المغربي في حوض البحر الأبيض المتوسط خلال العصر المريني، خاصة في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي. غير أن هذه المدينة التي كانت يوماً من أهم موانئ المنطقة أصبحت اليوم أثراً منسياً يواجه خطر الإندثار. و من ثم فإن إنقاذ غساسة ليس مجرد حماية لأحجار و أسوار قديمة متلاشية، بل هو حفاظ على جزء أساسي من الذاكرة التاريخية للريف و المملكة المغربية عموماً.