فن وإعلام

عندما نخلط ما بين "الحركة الأمازيغية" وعموم البربر...

عبد المجيد النحكامي

في مقاله المعنون بـ "جنوح خطابات الهوية في المغرب" (موقع الجزيرة نت، بتاريخ 10 يونيو 2026)، فتح المفكر والمؤرخ المغربي الدكتور حسن أوريد نافذة مهمة للنقاش حول الحذر من الانزلاقات الهوياتية التي تهدد التماسك الوطني بالمغرب. غير أن المقال، ورغم وجاهة منطلقاته العامة حول خطورة استغلال الهوية، سقط في مفارقة منهجية وسجالية لا تتوافق مع قدره و إرثه المعرفي و الفكري؛ إذ مارس الكاتب تفكيكاً لخطاب الهوية من جهة، بينما تورط من جهة أخرى في "مغالطة التعميم" والخلط بين المكون الشعبي والتنظيم الأيديولوجي، وهو خلط دفعنا دفعا إلى عرض هذه المقالة طلبا لتصويب و تسديد النقاش.

(1) ـ مغالطة "الكل والجزء"، أين الخلل؟

انطلق الدكتور أوريد في مقاله للرد على "كاتب في جريدة دولية"، و لعله يقصد بذلك الأستاذ بلال التليدي في مقالته "هل توظف إسرائيل الورقة الأمازيغية لدعم الانفصال في المغرب؟" (موقع القدس العربي بتاريخ 28 ماي 2026).

لكن، وبدلاً من أن يناقش أوريد الأطروحة السياسية في حدودها المطروحة، قفز قفزة خطابية وحوّل النقاش من نقاش حول "تيار أيديولوجي محدد داخل الحركة الأمازيغية" إلى تساؤل إنكاري يدافع عن "عموم البربر"، حيث تساءل مستغرباً: "هل الأمازيغ أداة في يد دولة أجنبية؟"، ثم لا يفتأ يكرر عبارة "الناطقين بالأمازيغية" في إشارة واضحة إلى خلطه بين "البربر" شعبا و "الحركة الأمازيغية" فاعلا سياسيا كأنهما وجهان لعملة واحدة!!..

هنا يكمن الخلل المنهجي (بل الخطر)؛ فالمقالة المَردود عليها لم تتهم "البربر" كبنية شعبية، أو ديمغرافية، أو تاريخية بالعمالة أو الانفصال. حاشا و لله؛ فالبربر هم تاريخ المغرب الممتد، و حاضره و مستقبله، ولا يمكن لعاقل أن يضع ملايين المواطنين المغاربة في خانة الاتهام الباطل. فالنقاش في أصله كما بدأه بلال التليدي، كان محصوراً في "الحركة الأمازيغية" بوصفها فاعلاً سياسياً وثقافياً يضم تياراً متطرفا يتبنى مواقف شاذة عن الإجماع الوطني الذي صاغه و بلوره تاريخ يمتد لمئات السنين، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الكيان الصهيوني أو الطرح الانفصالي.

(2) ـ الهوية الجامعة مقابل الأيديولوجيا المسيسة:

إن استدعاء الدكتور أوريد للمظلومية التاريخية لشرعنة الدفاع بالعموم يُعيدنا إلى إشكالية التفريق بين مفهومين:

ـ "البربرية" كمكوّن هوياتي وثقافي: وهو ملك لجميع المغاربة بلا استثناء، تاريخيا و شعبيا ثم دستوريا، لا يمكن فصله بحال عن الهوية الوطنية الجامعة.

ـ و "الحركة الأمازيغية" كإطار أيديولوجي وسياسي: وهي حركة بشرية تخطئ وتصيب، وتتعدد بداخلها التيارات؛ منها المعتدل الوطني، ومنها المتطرف الذي لن يتورع في التوسل بأجندات خارجية أو يتبنى خطاباً إقصائياً أو انفصاليا.

حين يتماهى مثقف بجليلِ قدرِ الدكتور حسن أوريد مع "المكون الإثني" لرد مأخذ سياسي على "تيار أيديولوجي"، فإنه يشحن النفوس بدواعي الحمية العمياء، ويجعل من الهوية درعاً لحماية السلوك السياسي من النقد. وهي الممارسة ذاتها التي تنتج "جنوح خطابات الهوية" التي يحذر منها في مقاله.

و يرد على جنوح حسن أوريد هذا هو نفسه في مقالته عندما يقول: «إنه لعمري إجحاف وزيغ أن يؤخذ الأمازيغ بالمغرب بنظرة قائمة وتمثل جاهز، ذلك أن الأمازيغ، أو الناطقين بالأمازيغية، يتوزعون فكريا وسياسيا على طيف شاسع عريض، تجد فيهم الإسلامي، والمعتدل والمتطرف، وتجد منهم القومي العربي، أيْ نعم، ومنهم من يرتبط بالشرق، وتجد منهم من يهيم بالغرب.. ومنهم بطبيعة الحال، من له رؤية علمانية، وتختلف هذه الرؤية من أصحاب الطرح الموضوعي العلمي، ومن هم من الناشطين، من يتمرسون في رؤى جاهزة«. لهذا لا يجدر بنا أن ننسب الفضل إلا لأهله، و نتذكر أن من أوائل من حذروا من "الاختراق الصهيوني للحركة الأمازيغية" و سعيه لتوظيف "الورقة البربرية" من قبل العدو الصهيوني هم "ناطقون بالبربرية" أنفسهم، أمثال الدكتورين البربريين أحمد ويحمان و عزيز هناوي، و لعلهما أشد و أشرس لهجة و أطول نفسا و باعا في كشف ما كشفته مقالة الأستاذ بلال التليدي.

(3) ـ هل هو رجع صدى لـ"الظهير البربري"؟

يبدو أن العقل الثقافي المغربي ما يزال رهينة السجال الذي يحيط بذكرى "الظهير البربري". فكأن هذا الإرث يجعل أي نقد يوجه لنشطاء الحركة الأمازيغية يستدعي فوراً آلية دفاع نفسية جماعية، تُترجم على شكل اتهام للآخر بالطعن في الوطنية.

ولكن، لكي نصل إلى نضج حقيقي، يجب أن نقبل بأن "الحركة الأمازيغية" (وليس البربر) هي مجرد فاعل سياسي في الفضاء العام، والفاعل السياسي يجب أن يخضع للنقد والمحاسبة الفكرية، له ما له، و عليه ما عليه. فحين يُنتقد تيار "الإسلام السياسي" لا يعني ذلك طعناً في دين المغاربة..، وحين يُنتقد "التيار القومي العروبي" لا يعني ذلك استهدافاً للعرب..؛ وبالتالي، فإن رصد ومحاكمة انزلاقات "التيار المتطرف الأمازيغي" لا يمكن تصويره كطعن في العمق البربري للمغرب.

(4) ـ نحو نقاش عقلاني:

إن حماية السلم الهوياتي في المغرب، لا تتم عبر إنكار وجود تيارات متطرفة تحاول الركوب على القضايا العادلة لخدمة مخططات مشبوهة من أعداء استراتيجيين، بل تتم بتسمية الأشياء بمسمياتها.

و إذا كان الأستاذ بلال التليدي قد شدد في خاتمة مقالته على ضرورة التصدي لمخططات زرع الفتنة بين مكونات الشعوب المغربية من قبل أمريكا و إسرائيل بنفس الحزم الذي يتم به التصدي لأطماع التشيع، فإنه حري بالدكتور حسن أوريد، وهو المشهود له بالعمق المعرفي و الفكري، أن يشارك في عزل هذا "التيار المتطرف" وتحصين المكون البربري من تهوره، بدلاً من تضخيم السجال وتحريفه إلى معركة وهمية بين طرف يدافع عن وطنية البربر (و لا أحد شكك فيها أصلا)، وطرف يحذر من اختراق خارجي لتيار مسيس.

إن تفكيك خطابات الجنوح الهوياتي يبدأ أولاً بالانعتاق من فخ "الخلط بين الجزء والكل"، والجرأة على نقد الأيديولوجيا دون الاختباء خلف عباءة الهوية، أيا كانت هذه الهوية.