رأي

جواد مامون: المستديرة والرهان التنموي...دراسة في الأبعاد السوسيو-اقتصادية والتحولات الهيكلية لكرة القدم المغربية

تنطلق المقاربة السيادية للرياضة في المغرب المعاصر من رؤية استراتيجية واضحة المعالم، أخرجت الممارسة الرياضية من دائرة "الهواية والارتجال" وضخّتها في عصب "السياسات العمومية" الكفيلة بتحقيق التنمية المستدامة والاندماج المجتمعي. وتجد هذه الهندسة التنموية مرجعيتها النقدية العليا في الرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات؛ حيث أكد جلالته أن الممارسة الرياضية أصبحت حقا من الحقوق الأساسية للإنسان، ورافعة قوية للتنمية البشرية، والاندماج والتلاحم الاجتماعي، ومحاربة الإقصاء والحرمان والتهميش. وبناء على هذا الموجه السيادي، تكرست هذه الرؤية دستوريا لتبدأ المملكة المغربية مرحلة التدبير العلمي والمؤسساتي الهادف إلى توظيف كرة القدم كقاطرة تنموية متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتصنع القيمة المضافة في النسيجين الاقتصادي والاجتماعي.

ويظهر هذا التحول الهيكلي جليا في الطفرة الاستثمارية غير المسبوقة الموجهة لتحديث البنية التحتية واللوجستيك، والتي رصدت لها المملكة المغربية إمكانيات مالية ضخمة بهدف إرساء منظومة كروية وسياحية بمواصفات عالمية لاستيعاب التظاهرات القارية والدولية، وعلى رأسها مونديال 2030 المشترك. وتتكامل هذه الاستثمارات لتشمل تهيئة منشآت رياضية كبرى، وفي مقدمتها ملعب الحسن الثاني ببنسليمان كأيقونة معمارية كبرى، مع تطوير البنية اللوجستيكية عبر خطة توسيع الطاقة الاستيعابية للمطارات الدولية لتصل إلى 20 مليون مسافر، بجانب تحديث البنيات الفندقية والإيوائية. هذا الزخم الاستثماري الذي يتقاطع فيه الرأسمال الوطني بالدولي لا يسهم فقط في عصرنة المشهد المجالي والترابي للبلاد، بل يدفع بعجلة قطاعات البناء، والأشغال العمومية، والخدمات، واضعا الرياضة كعنصر محفز للمنظومة الاقتصادية برمتها.

ولا تتوقف هذه الديناميكية الكروية عند حدود تشييد المنشآت وتوسيع المطارات، بل تمتد لتنعكس مباشرة على مؤشرات النمو الاقتصادي الكلي وخلق فرص الشغل المستدامة للشباب المغربي. وتؤكد البيانات الاستشرافية أن المشاريع المونديالية الكبرى المرتبطة بقطاع كرة القدم قادرة على تسريع معدل نمو الاقتصاد الوطني ليلامس حدودا متقدمة، مدفوعا بطلب داخلي قوي واستثمارات مهيكلة، مع استحداث عشرات الآلاف من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة. وفي نفس السياق، تحولت العوائد المالية المباشرة للمنتخبات الوطنية إلى رافد للتمويل الذاتي وتأهيل العنصر البشري؛ إذ إن المكافآت المالية الضخمة المتأتية من المشاركات الدولية، كمنحة الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) المحققة بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، أُعيد ضخها مباشرة في البنيات التحتية التكوينية لضمان استدامة إنتاج النخب الرياضية ذات القيمة السوقية العالية.

وبالموازاة مع هذه التدفقات الاستثمارية والمنافع المالية، تتخطى كرة القدم حسابات الربح الرقمي الصلب لتلامس العمق السوسيولوجي للمجتمع المغربي، باعتبارها آلية مؤسساتية فعالة لترسيخ العدالة المجالية والارتقاء الاجتماعي. ويتجسد هذا البعد الإنساني في سياسة "ملاعب القرب" التي أثمرت عن تشييد آلاف المنشآت السوسيو-رياضية في الأحياء الشعبية والمناطق القروية بربوع المملكة بهدف تقليص التفاوتات الإقليمية. هذه الملاعب والقواعد التكوينية الناشئة تعمل كحواضن آمنة تحمي الطاقات الشبابية من مظاهر الانحراف والتهميش، وتتحول بفضل نماذج التكوين الرائدة كأكاديمية محمد السادس لكرة القدم إلى مصاعد اجتماعية حقيقية، تُحوّل مواهب الأطفال في الهوامش إلى ثروة وطنية وقوة ناعمة متميزة للمملكة في الخارج.

ويتكامل هذا الأثر الاجتماعي البليغ ليعيد صياغة التمثلات الثقافية السائدة ويكسر الصور النمطية، لا سيما في شقها المتعلق بتمكين المرأة وتكريس قيم المساواة داخل النسيج المجتمعي المغربي. فقد أحدث التألق العالمي التاريخي للمنتخب الوطني النسوي "لبؤات الأطلس" في المحافل القارية والدولية طفرة ثقافية غير مسبوقة، ترجمت عمليا في الارتفاع القياسي لنسب إقبال الفتيات على التسجيل بالمدارس الكروية والأندية بمختلف جهات المملكة. هذا التحول النوعي لم يفتح آفاقا جديدة لتكافؤ الفرص في المجال الرياضي فحسب، بل أثبت أن كرة القدم في المغرب أصبحت تمتلك قدرة فريدة على توحيد المجتمع، وتقوية الهوية واللحمة الوطنية، وتحويل الشغف الرياضي الجمعي إلى طاقة إيجابية رافدة لورش التنمية البشرية المستدامة.

وعلى الرغم من هذه المكتسبات الكبرى والقفزة النوعية، تقتضي القراءة الأكاديمية الرصينة رصد التحديات البنيوية التي تواجه المنظومة الكروية لضمان ديمومة عوائدها التنموية وحمايتها من الاختلالات التدبيرية. ويأتي في طليعة هذه التحديات ضرورة الإسراع في الانتقال الفعلي للأندية الوطنية من صيغة الجمعيات الرياضية إلى الشركات المساهمة لتعزيز الحكامة المالية وتكريس قواعد المحاسبة وتفادي شبح المديونية، فضلا عن أهمية وضع استراتيجيات تسويقية تضمن استغلال الملاعب الكبرى بعد انقضاء التظاهرات الدولية لتجنب عبء تكاليف صيانتها. كما تظل ظاهرة شغب الملاعب تحديا سوسيولوجيا يستدعي مقاربة شمولية تدمج الشق التربوي بالزجري؛ لكونها تستنزف المقدرات الأمنية والاقتصادية وتهدد السلم الاجتماعي. 

إن ربط الاستثمارات الضخمة بتطوير آليات التدبير المعقلن وتعميم الاستفادة المجالية وربط المسؤولية بالكفاءة هو الكفيل بجعل كرة القدم المغربية قاطرة مستدامة تدفع بالاقتصاد الوطني نحو مصاف الدول الصاعدة وتضمن مستقبلا مزدهرا للأجيال القادمة.