وتعتبر مراجعة الاختصاصات الذاتية للجهات من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون التنظيمي الجديد. فقد شهدت المادتان 82 و 96 تقليصا وتدقيقا في هذه الاختصاصات، حيث تم تحويل بعضها من فئة الاختصاصات الذاتية إلى اختصاصات مشتركة. فبينما كان القانون 111.14 يمنح الجهات 19 اختصاصا ذاتيا واسعا، جاء القانون 031.26 باختصاصات أكثر تركيزا. ومن الإضافات الجديدة البارزة إعداد المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية، والمساهمة في تعبئة العقار اللازم لإحداث مناطق الأنشطة الاقتصادية بالجهة. كما تم تعديل صياغة بعض الاختصاصات، مثل تحويل "دعم المقاولات" إلى "تحفيز المبادرة المقاولاتية والاستثمار المنتج". في المقابل، تم توسيع نطاق الاختصاصات المشتركة لتشمل مجالات حيوية كانت تعتبر ذاتية سابقا، كـ"الطرق القروية" و"المناطق الحرفية" و"تنظيم المهرجانات" و"مجالات البيئة". ويعكس هذا التوجه رغبة المشرع في توضيح الأدوار وتجنب تداخل الاختصاصات، وإن كان يثير تساؤلات حول مدى استقلالية الجهات في تحديد أولوياتها التنموية.
وشهدت آليات تنفيذ المشاريع تحولا نوعيا بموجب القانون الجديد (المواد 128-140)، حيث تم تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، التي كانت مؤسسات عمومية في القانون السابق، إلى شركات مساهمة تسمى "الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع". وتخضع هذه الشركات لأحكام القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، مما يعكس توجها نحو المرونة التدبيرية والنجاعة الاقتصادية. وقد تغيرت أيضا آلية تعيين المدير العام لهذه الشركات، حيث أصبح يتم بقرار من وزارة الداخلية، خلافا لما كان عليه الأمر في القانون السابق حيث كان التعيين من طرف رئيس الجهة. هذا التغيير يثير نقاشا حول مركزية القرار وتأثيره على استقلالية الجهة في تدبير مشاريعها.
وفيما يخص التعاقد (المادة 93)، عرفت المادة المتعلقة بالتعاقد تغييرا جوهريا، حيث أصبحت المبادرة في إبرام عقود تنفيذ المشاريع والبرامج الوطنية بين الجهة والدولة بيد الدولة، بعد أن كانت بيد الجهة في القانون التنظيمي 111.14. هذا التحول يعزز دور الدولة في توجيه المشاريع الكبرى ذات الطابع الوطني، وقد يحد من هامش المناورة للجهات في اختيار وتحديد أولويات الشراكات التعاقدية.
وانتقلت منظومة الرقابة المالية بموجب القانون الجديد من نظام "مراقبة الدولة على المنشآت العامة"، الذي كان مطبقا في القانون 111.14، إلى اعتماد نظام "الافتحاص السنوي المشترك". تتولى هذا الافتحاص المفتشية العامة للمالية بتنسيق مع المفتشية العامة للإدارة الترابية، مما يهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في تدبير الموارد المالية للجهات. هذا التوجه نحو رقابة مشتركة ومتخصصة يعكس رغبة في تحسين حكامة الإنفاق الجهوي وضمان فعاليته.
وعلى الرغم من الإيجابيات المتوخاة من هذه التعديلات، فإن تطبيق القانون التنظيمي الجديد رقم 031.26 يواجه عددا من التحديات المحتملة التي قد تؤثر على فعالية الحكامة الترابية. من أبرز هذه التحديات مسألة "الالتقائية"، حيث قد يؤدي تداخل الاختصاصات بين الدولة والجهة، خاصة في ظل توسيع نطاق الاختصاصات المشتركة، إلى صعوبات في تحديد المسؤوليات وتنسيق الجهود. كما يطرح التحول نحو النموذج "الشركاتي" في تدبير المشاريع تساؤلات حول كيفية تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية ومدى فعاليتها في إشراك الساكنة والمجتمع المدني، خاصة وأن هذا النموذج يميل إلى المنطق التدبيري الذي قد يطغى على البعد التشاركي.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تأهيل الكفاءات البشرية لمواجهة الانتقال نحو التدبير بأسلوب الشركات، وضمان حسن التدبير والرقابة. كما أن هناك تخوفا من أن يؤدي تركيز المشاريع في الأقطاب الكبرى إلى إهمال المناطق الهشة والنائية، مما قد يفاقم من مشكل "العدالة المجالية" ويوسع الفوارق الترابية. ورغم إضافة إعداد المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية كاختصاص ذاتي، فإن تنزيل هذا المخطط يمثل تحديا كبيرا يتطلب استثمارات ضخمة وكفاءات متخصصة.
وفي الختام، يمثل القانون التنظيمي 031.26 مرحلة جديدة في مسار الجهوية المتقدمة بالمغرب، يحمل في طياته مستجدات مهمة تهدف إلى تعزيز فعالية التدبير الترابي. ورغم أن القانون يسعى إلى تبسيط وتوضيح الاختصاصات وتحويل آليات التنفيذ إلى هياكل أكثر مرونة، فإنه يثير عددا من التساؤلات والتحديات الجوهرية المتعلقة بالحكامة الترابية واستقلالية الجهات والعدالة المجالية. إن تجاوز هذه التحديات يتطلب مأسسة رقابة مالية وتدبيرية فعالة، وتوفير الموارد البشرية والمالية الكافية، وتعزيز آليات الديمقراطية التشاركية لضمان تنزيل أمثل لهذه التعديلات وتحقيق أهداف الجهوية المتقدمة في خدمة التنمية الشاملة والمستدامة.






