رياضة

بين عنترية الرباط وإهانة أمريكا.. مدرب الفوضى يعود لحجمه الحقيقي!

يوسف غريب (كاتب صحفي)
بينما كانت الجامعة السنغالية نفسها حين حلّت أرض المغرب تُقيم الدنيا ولا تقعدها وتشهر سلاح البيانات التنديدية الحارقة - بمعدل ثلاثة بيانات في ساعة واحدة - عند أقل هفوة تنظيمية أو سوء تفاهم عابر غيرةً على كرامتها اختارت أمام الجبروت الأمريكي الاختباء خلف ثلاثة أيام كاملة من صمت القبور على مشهد الإهانة الذي تعرض له منتخبها الوطني وهو يُقاد صاغراً تحت درج الطائرة في المطارات الأمريكية.

هذه المفارقة الصارخة لوحدها بين عنترية زائفة في الرباط وخنوع مطلق في واشنطن تدفعنا مجبرين لتشريح هذا البيان فمن كان يملك النخوة والكرامة الوطنية وبيانات فورية على أرضنا تمخض جبله هناك فولد فأراً صغيرا حيث خرج علينا مستند رسمي موقع باسم الأمين العام للجامعة، لا لينتفض لكرامة "أسود التيرانغا" ولا ليستنكر الغطرسة الأمريكية بل ليمارس نوعاً من الكوميديا السوداء المقيتة التي تثير القرف والشفقة معاً.

فالبيان جاء غارقاً في تفاهة المضمون إذ لم يجرؤ على إدانة السلوك المهين بل كل ما تفتق عنه عبقرية مسؤوليها هو "تصحيح" مكان وقوع الإهانة

وكأن كرامة السنغاليين تختلف وتتجزأ إذا ما هُدرت قبل الصعود إلى الطائرة أو بعد النزول منها.

لقد أكد البيان ببرودة دم تثير الغثيان أن الإهانة حدثت قبل الإقلاع وليس بعد الهبوط ليوقعوا بأنفسهم على صك خيبتهم:

الإهانة قائمة ثابتة ومقبولة لديهم والخلاف بيننا وبينهم فقط حول الجغرافيا والتوقيت.

ومن بين تجليات هذه الفضيحة الكاشف للعقليات المأزومة تبرز صورة المدرب السنغالي وهو يخضع ذليلاً لإجراءات التفتيش المهينة في أحد المطارات الأمريكية لتكون بالنسبة إلينا أكثر من مجرد لقطة عابرة لقد كانت طعنة مرتدة أحيت فينا جرحاً غائراً لم يشف بعد.

فهذا الرجل نفسه دخل المغرب ذات يوم ضيفاً فوق العادة فُتحت له ولمنتخبه أبواب الضيافة المغربية "الحاتمية" على مصراعيها وسُخرت لهم كل إمكانيات المملكة لضمان راحتهم ونجاحهم، في بلد آمن دائماً بنبل الأخوة الإفريقية.. وأن الرياضة قيم واحترام متبادل قبل أن نكتشف أننا كنّا نطعم أحداً لئيما.

حيث أن طعنة الغدر لم تتأخر ولم تكن نهاية الحكاية في مستوى نبل البدايات المغربية.

ففي لحظة كان يفترض أن تكون احتفالاً إفريقياً بامتياز اختار هذا المدرب بالذات أن يرتد على أعقابه تاركاً في الذاكرة المغربية صورة مشحونة بالتوتر والفوضى والاحتجاجات الغوغائية الفجة فوق أرضنا محولاً عرس اللعبة إلى مشهد عبثي أساء فيه للمغرب الذي آواه ونصره.

يومها، شعرنا بمرارة الخذلان وأن اليد البيضاء الشريفة التي امتدت بالترحاب تلقت في المقابل صفعة غادرة من عقليات مأزومة تفرغ عقدها النقصية في مواجهة الأوفياء وتلوذ بالخنوع التام أمام الأقوياء.

واليوم يشاء القدر بعد أشهر فقط أن تعود الصورة من مكان آخر وبشروط أمريكية صارمة لا ملعب هناك لتفريغ العقد ولا جمهور يصفق ولا كاميرات تُجامل.

بل رجل يقف منحنياًخاضعاً لإجراءات كاسرة للكبرياء صورة صاعقة تحمل في عمقها درساً بليغاً لكل من تطاول نفسه على أسياده :

كم يبدو المشهد فاضحاً وصادماً عند المقارنة بين الصورتين: صورة رجل ظن يوماً في ملاعبنا أن العجرفة والبيانات الفورية تمنحانه وقاراً وصورة الرجل نفسه وهو يكتشف صاغراً في مطارات أمريكا لذلك لم يملك المغاربة وهم يطالعون هذه الصورة إلا أن يروْا فيها انتصاراً رمزياً وعدالة ربائية أوقعت القناع عن الوجه الحقيقي:

فالاحترام لا يُشترى بالألقاب والكرامة لا تُنتزع بالصراخ ومن ينسى فضل الآخر ويطعن يده الممدودة يفاجئه الزمن بلحظة حقيرة تعيده قسراً إلى حجمه الطبيعي الصغير.

ليست شماتة مجرد.. بل هي انتصار لكبرياء شعب طيب أُسيء استخدام كرمه وتذكير بليغ بأن الغرور قد يمنح صاحبه استعلاءً عابراً لكنه ينتهي به دائماً في سلة المهملات الأخلاقية.

لقد آن الأوان لبلدنا بمؤسساته الرياضية والدبلوماسية ان تعيد النظر في بعض أشكال هذه المجاملة المفرطة و" الدبلوماسية العاطفية" التي يقدمها مجانا لمن لا يبادله القدر نفسه من التقدير والاعتراف.

فالكرم قيمة مغربية أصيلة نفخر بها.. فلا يعني التغاضي عن الجحود أو السكوت عن الإساءة.

لقد طعنوا كرمنا من الخلف.. لأنهم لؤماء.

واليوم تردّ لهم المطارات الأمريكية بضاعتهم صاغرة..

فكفى كرماً مفرطاً لمن لا يملك كرامة الرّد على الإهانة.