قضايا

مقتل ياسين.. صرخة ضد استباحة الأرواح

الحسن زاين

دقت قضية مقتل الشاب ياسين، الذي كان يسعى لكسب قوت يومه بكرامة عبر العمل في تطبيقات النقل، جرس إنذار أعاد طرح أسئلة وجودية كبرى حول التحولات الخطيرة التي تعتري أنماط الجريمة في مجتمعنا المعاصر. 

إن هذه الجريمة النكراء، بكل ما تحمله من تفاصيل صادمة، تتجاوز كونها مجرد فعل إجرامي عابر، لتغدو نموذجاً للتحول نحو أشكال من العنف الممنهج الذي يتسم بالتخطيط المسبق، والبرود في التنفيذ، والوحشية في محاولة طمس الأدلة. 

إننا اليوم أمام نمط إجرامي بات يتسلل إلى نسيجنا الاجتماعي، حاملاً معه مشاهد لم نعتد رؤيتها إلا في شاشات السينما أو في سياقات مجتمعات تعاني من تفكك بنيوي، مما يفرض على الجميع وقفة تأمل عميقة لاستشعار حجم المخاطر التي تهدد أمن الفرد وقيم التعايش.

إن الحق في الحياة يظل هو الحق الأسمى والأساس الذي تقوم عليه كافة الحقوق والحريات الأخرى، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إيجاد مبرر، مهما كان نوعه أو سياقه، لإزهاق روح إنسانية أو النيل من سلامتها الجسدية والمعنوية. 

وإن التساؤل الذي يطرحه المجتمع اليوم حول "الدافع" وراء ارتكاب جرائم بهذا المستوى من الوحشية يعكس صدمة جماعية تجاه انهيار منظومة القيم الأخلاقية لدى بعض الأفراد. فالمسألة ليست فقط في الرغبة في الكسب المادي أو السرقة، بل في ذاك التراجع المخيف في تقدير قيمة الحياة، حيث تحول الإنسان في عيون الجاني إلى مجرد عقبة أو وسيلة قابلة للإلغاء، وهو سلوك يعكس انحداراً في الوازع الديني والأخلاقي والتربوي.

ويجب التأكيد على أن صون حق الإنسان في الحياة والأمان لا يمثل مسؤولية أمنية وقضائية فحسب، بل هو مسؤولية مجتمعية مشتركة تقع على عاتق المؤسسات التعليمية، والأسرة، والإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي. 

كما أن انتشار محتويات رقمية تطبع مع العنف، وتصور الإجرام كفعل "بطولي" أو "عادي"، يساهم بشكل مباشر في تهيئة أرضية خصبة لتوليد مثل هذه السلوكيات المنحرفة. لذا، فإن حماية الوطن لا تتوقف عند إنجاز المشاريع العمرانية وتطوير البنيات التحتية، بل تكمن بالأساس في حماية الإنسان كقيمة مطلقة، وفي ترسيخ ثقافة تحترم الوجود البشري وتنبذ كل أشكال التطرف العنيف.

وبينما نترك للجهات القضائية المختصة مسؤولية تحديد المسؤوليات الجنائية وإنزال العقوبات المستحقة، يظل الواجب علينا هو التحلي باليقظة الجماعية والتصدي لكل مظاهر التطبيع مع العنف. إذ أن تكريم ذكرى الضحايا لا يتحقق إلا بتضافر الجهود لضمان أن يظل الحق في الحياة مصوناً، وأن يظل المجتمع حصناً منيعاً ضد كل ما من شأنه المساس بكرامة الإنسان. 

ويمكن القول أن العدالة في جوهرها هي انتصار للحياة على الفناء، وهي الضمانة الوحيدة لاستعادة الطمأنينة التي هي أساس كل تطور وازدهار.