لقد تأسس الفقه السياسي الإسلامي في ظل دولة بسيطة من حيث البنية والمؤسسات، وكانت العلاقات الدولية آنذاك تقوم على منطق الإمبراطوريات، ولم يكن العالم يعرف مفهوم الدولة الوطنية ذات السيادة، ولا الدساتير الحديثة، ولا المؤسسات التشريعية والقضائية المستقلة، ولا القانون الدولي، ولا المنظمات الإقليمية والدولية التي أصبحت اليوم جزءًا من الواقع السياسي العالمي. لذلك فإن إسقاط الأحكام التي وُلدت في ذلك السياق على واقع مختلف جذريًا يمثل خللًا منهجيًا، لأن الأحكام الاجتهادية تدور مع عللها ومناطاتها وجودًا وعدمًا.
إن المقال ينطلق من فرضية أن نظام الخلافة هو الشكل الشرعي الوحيد للحكم، ثم يبني على هذه الفرضية جميع الاستدلالات، مع أن القرآن الكريم لم يفرض شكلًا محددًا للدولة، ولم يحدد نموذجًا دستوريًا ملزمًا، وإنما وضع منظومة من القيم والمبادئ الكبرى، كالعدل والشورى والرحمة وحفظ الحقوق وتحقيق الأمن وصيانة الكرامة الإنسانية. ولذلك فإن الوسائل السياسية تبقى مجالًا واسعًا للاجتهاد بحسب تغير الأزمنة والأمكنة.
ومن الملاحظ أيضًا أن الشيخ الكتاني يخلط بين الثابت والمتغير؛ فالثابت هو إقامة العدل وتحقيق مصالح الناس، أما شكل السلطة وآليات اختيار الحاكم وتنظيم المؤسسات فهي من المتغيرات التي تخضع للمصلحة والاجتهاد. ولذلك لم يقدم القرآن دستورًا سياسيًا تفصيليًا، ولو كانت الخلافة بنظامها المعروف ركنًا من أركان الدين لما ترك القرآن تفاصيلها لاجتهاد الصحابة، ولما اختلفوا في السقيفة، ولا في طريقة اختيار الخلفاء، ولا في نظام ولاية العهد، ولا في الشورى، ولا في غيرها من الوسائل التي تعددت منذ الأيام الأولى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما أن الاستدلال بإجماع الصحابة على وجوب نصب خليفة لا يعني الإجماع على نظام سياسي أبدي، وإنما يدل على ضرورة وجود سلطة تدير شؤون المجتمع وتحفظ النظام العام، وهي ضرورة عقلية وإنسانية قبل أن تكون دينية. ولذلك فإن هذا الإجماع يتعلق بالمقصد لا بالوسيلة، فالوسائل تتغير، أما المقاصد فتبقى ثابتة.
ويلاحظ كذلك أن المقال يكثر من الاستشهاد بأقوال الفقهاء، وكأنها تمثل نصوصًا مقدسة، بينما هي اجتهادات بشرية نشأت في ظروف سياسية محددة، بل إن كثيرًا منها كان متأثرًا بالواقع الذي عاشه أصحابه، خاصة بعد تحول الخلافة إلى ملك. ولذلك فإن فقه التغلب، وفقه السمع والطاعة، وفقه قبول الأمر الواقع، كلها اجتهادات هدفت إلى تقليل الفتن في سياقاتها التاريخية، ولا يجوز تحويلها إلى قواعد فوق تاريخية تحكم كل العصور دون اعتبار لتغير الأوضاع.
ومن أبرز مظاهر غياب فقه الواقع في أطروحة الشيخ الحسن أنه يناقش شروط الخليفة، مثل القرشية والحرية والذكورة وغيرها، وكأن العالم الإسلامي لا يزال يعيش في القرن الأول الهجري. فالحديث اليوم لم يعد عن شخص يجمع جميع السلطات، بل عن دول ذات مؤسسات دستورية، وفصل للسلطات، ورقابة قضائية، وانتخابات، وهيئات مستقلة، وآليات للمحاسبة، مما يجعل كثيرًا من تلك الشروط فاقدًا لمناطه الأصلي .
كما أن الحديث عن وحدة الخلافة الإسلامية بوصفها واجبًا شرعيًا يتجاهل أن العالم اليوم يقوم على الدولة الوطنية ذات السيادة، وهي حقيقة قانونية وسياسية اعترف بها المسلمون أنفسهم منذ قرون، وتعاملوا معها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ومن ثم فإن استدعاء نموذج الخلافة العالمية دون النظر إلى المعطيات الدولية والقانونية والاقتصادية المعاصرة يجعل الخطاب أقرب إلى التنظير التاريخي منه إلى الفقه القادر على معالجة الواقع .
ومن جهة أخرى، فإن المقاصد الشرعية لا تسأل أولًا عن اسم النظام السياسي، وإنما تسأل: هل حقق العدل؟ هل حفظ الدين؟ هل صان النفس والعقل والمال والكرامة؟ وهل وفر الأمن والاستقرار والتنمية؟ فإذا تحققت هذه المقاصد في إطار دولة مسلمة حديثة ذات مؤسسات وقانون، فإن ذلك ينسجم مع روح الشريعة أكثر من الانشغال بإحياء نموذج تاريخي قد لا تكون شروطه ومناطاته قائمة اليوم .
إن الإشكال الحقيقي في مثل هذه الكتابات أنها تجعل التاريخ مصدرًا للإلزام، بدل أن تجعله مصدرًا للاستفادة. فالصحابة أنفسهم لم يكرروا نموذجًا واحدًا في انتقال السلطة، بل اجتهدوا بحسب الظروف، مما يدل على أن الوسائل ليست تعبدية، وإنما اجتهادية. وهذا هو جوهر فقه المقاصد وتحقيق المناط، الذي يقتضي تنزيل الأحكام على واقعها، لا نقلها من سياق إلى آخر دون نظر.
لقد تغير العالم تغيرًا جذريًا في بنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأصبح الحديث عن الحكم مرتبطًا بالدستور، والمواطنة، والحقوق، والمؤسسات، والرقابة، والعلاقات الدولية، والاتفاقيات الأممية، وفتح السفارات.. وكلها معطيات لم تكن معروفة عند الفقهاء الأوائل. ومن هنا فإن إعادة إنتاج الفقه السياسي القديم دون إعادة بناء مناطاته لا يمثل تجديدًا، بل يمثل انقطاعًا عن الواقع.
إن الحاجة اليوم ليست إلى إعادة إحياء الجدل القديم حول الخلافة، وإنما إلى بناء فقه سياسي مقاصدي جديد، ينطلق من النصوص القطعية، ويستوعب الواقع المعاصر، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويجعل الإنسان وكرامته ومصالحه محورًا للاجتهاد، لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، ولم تأت لفرض قوالب سياسية جامدة لا تتغير بتغير الزمان والمكان.
ولهذا فإن المقال، على قيمته في عرض التراث السني، يبقى أقرب إلى الدراسة التاريخية منه إلى البحث في الفقه السياسي المعاصر؛ إذ لم يناقش تغير المناطات، ولم يستحضر التحولات الكبرى التي عرفها العالم، ولم يميز بين النصوص القطعية والاجتهادات التاريخية، ولم يطبق المنهج المقاصدي في تنزيل الأحكام على واقع الأمة اليوم. ومن ثم فإن المطلوب ليس هدم التراث، وإنما إعادة قراءته قراءة نقدية واعية، تجعل منه مصدر إلهام، لا قيدًا يمنع الاجتهاد، لأن الشريعة باقية بمقاصدها، أما الوسائل والأنظمة فهي متغيرة بتغير أحوال الناس ومصالحهم، وهذا هو مقتضى فقه الواقع وتحقيق المناط في كل عصر .






