مجتمع وحوداث

دعْه يُبعْبِعْ»… بَعْبعَة الشارع

سعيد يقطين (كاتب)

إن المناسبات الكبيرة في الحياة الواقعية للمجتمع (أعياد، انتخابات، تظاهرات..) مثل الأحداث الكبرى التي تكتسي بعدا تاريخيا (زلازل، فيضانات، حروب..) لها آثار على المجتمع، وتتخذ، تبعا لذلك، طابعا مهما في ما صارت تعرفه طبيعة المجتمع، وما حققه من تطور في مسيرته عبر ما بات يتجسد فيه من تمثلات وأفكار ومتخيلات. لذلك فإن أي خلل في قراءتها وتفسيرها، أو العجز عن متابعتها ورصدها بهدف تحليلها وفهمها لا يمكن إلا أن تبدو آثارها السلبية على المدى المتوسط أو البعيد.

بدأت تتكرر بسبب الغلاء الفاحش للأضاحي دعوة تقول: «خلّيه يبعبع»، والمقصود بذلك «ما شارينشْ الحولي». إنها مثل القولة التي بدأ يرددها البعض كلما اقترب رمضان: «ما صايمينش». إنها دعوات إلى القطيعة مع ما يمارسه المغاربة منذ قرون، وخلفيات ذلك باتت غير خافية على أحد، ومعارضتها صارت تؤرق الدعاة. لقد ظلت الخرفان تبعبع في الشوارع والمنازل قبيل الوقوف بعرفات، وامتلأت المصليات على آخرها.


يمكن اعتبار عيد الأضحى من المناسبات الكبيرة التي عرفها المغرب في تاريخه، والمغاربة يتعاملون معه تعاملا مختلفا عن باقي المناسبات. يسمونه «العيد الكبير» تمييزا له عن «العيد الصغير» (عيد الفطر). ولفظة العيد لها حمولة اجتماعية وتاريخية في حياة أي مجتمع. يرتبط العيدان الصغير والكبير ارتباطا وثيقا بالهوية الثقافية التاريخية المغربية، فأولهما يتصل بركن من أركان الإسلام (الصوم)، والثاني، وإن كان سنة مؤكدة، فهو مربوط بالحج. لذلك لا غرابة أن يكتسيا معا طابعا خاصا في الذاكرة والوجدان المغربيين، ويسِمان معا خصوصية المغربي في التعامل معهما. ففي شهر الصيام يُقدِم حتى من لم يصلِّ طوال العام على ارتداء الجبة البيضاء، والذهاب بعد الإفطار إلى صلاة التراويح، التي تغص بالمصلين على غير المعهود في أزمنة أخرى. ونلاحظ الشيء نفسه عند اقتراب عيد النحر، حيث يكون الإقبال على شراء الأضحية مهما كانت الظروف، وتمتلئ ساحات المصلى لأداء صلاة العيد في فضاءات واسعة ومفتوحة تضيق عنها المساجد مهما كانت واسعة.


هذه هي الصورة التي كبرنا عليها، ووجدنا أجدادنا يمارسونها منذ قرون. كانت تعبيرا، بغض النظر عن الظواهر الطارئة، عن العمق المغربي الأصيل المتشبث بتاريخه ودينه. كان عيد الأضحى مناسبة غالية يفرح به الجميع، لما يؤكده من عميق الصلات بين أفراده، وهم يتقاسمون الفرح، ويتبادلون الزيارات، ويصلون الرحم، ويساندون العاجزين عن الأضحية. صار شراء الأضحية «فرضا» لا سنة مؤكدة. فالكل كان يرى أن إدخال الأضحية على الأولاد مسؤولية على الآباء والأمهات، لكيلا يحرموا أبناءهم الفقراء مما يتمتع به غيرهم. صرنا ندرك في الدار البيضاء في الستينيات وحتى السبعينيات، أن ابتياع الأواني المنزلية النحاسية، وشراء أقراط الذهب أنسب وقت له هو قرب عيد الأضحى. كان العاجز عن شراء الأضحية، لأن ثمنها كان غاليا أبدا، يبيع ما لديه من أشياء ثمينة، وصار بعد ذلك يستلف من وكالات القرض. وكان كل واحد يشتري على قدره، ولم يكن أحد يشتكي من الأسعار. كان العيد عطلة كبيرة للحرفيين والتجار الصغار الذين يغادرون المدن للالتحاق بقراهم النائية، ومعانقة أسرهم التي يتغيبون عنها عاما كاملا. وكان مساء العيد فرصة لصلة الرحم بين الأقارب والأصدقاء. كان يجتمع في بيتنا كل ذوي القربى، وكل منهم يحمل الكتف وقضيب البولفاف، ويعم الفرح والحديث وتهيأ خمس قصع من الكسكس الذي يجعلنا نحس بأكل قطع كبيرة من اللحم بشكل لم يتأت لنا طوال العام، الذي كنا نكتفي فيه بـ»شنتيفة» نراقب حجمها، ونقارنها بما أعطي لغيرنا. ويظل اللحم المقدد عندنا إلى يوم عاشوراء.


كان العيد مناسبة للتربية وتحمل المسؤولية، لم نكن ننتظر الجزار. كان الآباء يذبحون، ويسلخون، ويجرُّون أبناءهم للمعاينة والمساعدة والتعلم: «على الرجل أن يذبح شاته». ويساهمون في «تشويط» رأس الخروف وهم يلعبون. وكانت البنات تشترى لهن ألأواني الفخارية الصغيرة، ويحملن مسؤولية تعلم إعداد الطعام: «المرأة الحاذقة». تطور المجتمع وتغيرت عاداته. صار الجزار رجل المناسبة، والطلب عليه يجعله يوفر في يوم النحر ما لا يتقاضاه في شهر، وصارت الطوابير على محلات الجزارة في الأزقة والمراكز التجارية لتقطيع الخروف. كما أصبح شباب الحي يعملون اليوم كله في تشويط الرؤوس لتحمل بعد غسلها إلى الجزار. أما من تركه يبعبع، لأسباب خاصة، فصار يسافر إلى الخارج، أو إلى الفنادق والمنتجعات، ويفتخر بأنه لا يضحي. وصارت أجيال الزاي والواو والياء لا تربطهم أي صلة بآبائهم أو أجدادهم، أو حتى أصولهم. تربوا على الأكلات السريعة، والاتكال على غيرهم، والكسل، والعجز عن أي عمل يطلب منهم، ويقضون كل وقتهم في تحريك أناملهم على الشاشات. كيف يمكن لأطفال بلا طفولة، أن تكون لهم ذاكرة؟


إننا نقتل أفراحنا وأعيادنا باسم حداثة واهية، وعقلانية زائفة، ونحن نبرر تخلفنا وعجزنا عن تغيير واقعنا بالكلام الزائد بإلقاء اللائمة على التاريخ والدين. ما سبب كل الغلاء الذي نعاني منه، والذي مس كل شيء؟ غلاء أسعار الأضاحي كان فقط ذريعة، فحتى الفحم وتشويط رأس الأضحية تغير ثمنهما. لماذا لا يتركون الخضر والفواكه تيبس، والسيارات الجديدة تتصدى؟ وقس على ذلك. أين المشكل الحقيقي في ما يجري من تحولات عميقة وخطيرة؟ أفي الحكومات المتعاقبة التي لا تتصرف إلا في اللحظات الأخيرة، لتتنبه إلى أنها تعمل من دون رؤية استباقية للظواهر الطارئة مثل غلاء الأضاحي؟ أم في غياب الأحزاب والنقابات التي تؤطر المجتمع لمواجهة أي تأثير على قدراته وكرامته؟ أم في الشعب المتروك لتدبر أموره وفق ما هو متاح؟ أين التحليل العلمي والاستراتيجي للتقلبات الطارئة قطريا وجهويا وعالميا، والذي يضع النقاش في محله بدل الهروب إلى الأمام والذي يخلي للخطابات الرعناء تُحرِّف الجوهر، وتذهب إلى العرَض، لمقاصد لا علاقة لها بالواقع الفعلي؟

سيظل يبعبع لأننا نتركه يبعبع. وهذا هو المعنى الخفيّ لـ»خلِّيه يبعبعْ»، لأننا لسبب بسيط لم نفهم سبب البعبعة، في زمن التحولات الكبرى التي لم نحسن معرفة التعامل معها بالشكل الملائم.