مجتمع وحوداث

الذَّكاءُ الاصطناعِيّ والغَباء البَشَرِيّ

صلاح بوسريف (شاعر و كاتب)

شرع الإنسان يترُك مكانَه، طواعِيةً، للآلة، يظُنُّ أنَّه يستعملها، فيما هي تستعمله، تَقُودُه، تُمْلِي عليه ما يفعله، ما يكتُبُه وما يقرؤه، بل تتدخَّل في مرضه وعافيته، في مطبخه، وفي لباسه وهندامه، وكيف يجلس، وكيف يأكل ويشرب، وماذا يأكُل ويشرب، وحتَّى حين يُفَكِّر في الزواج، فالآلة تقترح عليه خصال الزوجة التي تليق به، أو تكون بنفس خصاله، أو صالحة له، كما هو صالح لها، والحبل على الجرَّار، كما يُقال.


ذاب الإنسان في الآلة، امْتَصَّتْهُ، صار كالدُّمْيَة، خُيوطُها في يديه، تُحرِّكُها كما تشاء، دون أن يستطيع هذا الإنسان التمييز بين ما هو ذكاء في الآلة، وما هو غباء فيها، بل ما يكون عليه هو نفسه من ذكاء أو غباء.


والخطير في هذا الأمر، أنَّ الآلة لم تستحوذ على عامَّة النَّاس، هذا لا شكَّ فيه، بل استحوذت على خاصَّتِهِم، وصِرْتَ حتَّى في اجتماعات الوزراء، وفي لقاءات الأحزاب، وفي الندوات والمُحاضرات، ومناقشة الأطروحات، الهواتف مفتوحة على عواهنها، وكأنَّ من يتكلَّم، أو يخطب، أو يُناقش لا يقُول شيئاً، كُل شيء في الآلة، هي من تقُول الحقيقة، أمَّا المتكلم في القاعة، فهو غير مهم، والحضور في ذاته، هو خضرة فوق طعام، كما نقول، لا غير.


أمَّا الأخطر، في الغباء البشري الذي انتشر واسْتَشْرَى، أنَّ هُناك من صاروا يكتبون أبحاثا، ومحاضرات، ويكتبون كُتُباً، لا يَدَ لهُم فيها، بل انْتُزٍعَت من هذا الفضاء التقنيّ الآلِيّ، الذي صار مثل وَحْيٍ يُوحَى، كما كان للشُّعراء قديما شياطين هُم من يملون عليه الأشعار، كما يُسَمِّيهم ابن شُهَيْد الأندلسي في «رسالة التوابع والزوابع».


صارت الكُتُب تتناسَل، فيها لُغَة، وفيها كلام، وفي صفحات تلي بعضَها، وهذا ما يحدثُ حتَّى في الجرائد، ووسائل الإعلام، لكنها بدون رُوحٍ، بدون رَعَشَات اليَدِ وهِيَ تَكْتُب وتمحو، تغصُّ بالأفكار والمشكلات، وبالأسئلة. فكتابة الآلة، لا رُوح فيها، ولا حياة، كتابة تُشْبِه الزُّهُور والوُرُود البلاستيكية، التي لا رائحة ولا طَعْم، فيها، لا تشعُر بنبضاتها في أغصانها، وفي تُوَيْجاتها، لا ماء في ألوانها، نراه فيها وأنت تنظر إليها، فبدل أن تخلق الجمال، تَخْنُقُه.


بعض ما نجِدُهُ في طريقنا من هذه الكُتُب، ليست فيها مشكلات، ولا قضايا، ولا أفكار، اللغة فيها تتحرَّكُ مَدْفُوعَة بعكاكيز الآلة، لا بأنامل، وفِكْر، ورأي وخيال وعقل ورعشات وقلق الإنسان، فالإنسان فيها هو أداة، يكتفي أن يضع اسْمَهُ على المقالة، أو الكتاب، دون أن يكون له شيء فيه، سوى ما اتَّسَم به من كَسَلٍ، وعَجْزٍ، ومن عطب في التَّفْكِير، وفي أن يكون له أفق وطَرِيقٌ، يَكْتُب تابِعاً، لا مَتْبُوعاً، الطُّرُقُ ما تسير به، لا هو من يسير فيها، وهذه هي استقالة العقل والخيال والبشريين، وضعفهما أمام جبروت الآلة التي هيمنت على العقل والخيال معاً.


وإذن، فالإنسان ينقرض بالتدريج، ويُسَلِّم مقاليد سلطته، أو ذاته للآلة، أو الآلة تنتزعها منه بالتَّدْرِيج، لا هو سياسيّ، ولا هو أستاذ، ولا هو طالبٌ، ولا هو فنَّان، ولا هو ناقد، ولا شاعر أو كاتب، أو صحافي، أو إعلامي، أو مهندس أو طبيب، ما يعرضه علينا باسمه، هو ثَوْبٌ مُسْتَعارٌ، وهو عارٍ، يحتاج إلى طفلِ الإمبراطور ليصرخ في وجهه، يقول له: يا أنت، أيها البشر، من تكون، فما تقوله وتكتبه، بل ما تفعله ليس أنت، فأين أنت، ما رأيك، وما فِكْرُك، فبدل أن تعرف نفسك، تماديت في جهلها؟ 


وهكذا، سنشرع في وقت قريب، في البحث عن هذا «الإنسان العاري»، كما سمَّى مارك دوغان وكريستوف لابي كتابهما عن الديكتاتورية الخفية للرقمنة. وفوكو كان هجس بهذا قبل سنواتٍ، فماذا لو عاش معنا ورأى ما نحن عليه من سلط خفيَّة تنتهكنا، ونظن أنَّنا من ننتهكها.