مجتمع وحوداث

سبعون عاماً من اليقظة.. الأمن الوطني من فجر التأسيس إلى عصر الذكاء الاصطناعي

الحسن زاين
يكشف العدد الخاص المكرس للاحتفاء بالذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني عن مسار ممتد وتطور بنيوي عميق، يرصد التحولات الجوهرية التي شهدها الجهاز الأمني المغربي منذ إرساء لبناته الأولى في أعقاب الاستقلال سنة 1956 وصولاً إلى معالم العصر الرقمي الحديث. 

ولا يقف هذا الإصدار عند حدود التوثيق التاريخي للمؤسسة، بل يتعداه إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة للسياسات الأمنية المعاصرة، مبرزاً الأدوار التاريخية والمحورية لشخصيات تركت بصمتها في هذا المسار، بدءاً من الأب المؤسس محمد لغزاوي، وصولاً إلى عبد اللطيف حموشي بوصفه مهندس الاستراتيجية الأمنية الحديثة التي توازن بين النجاعة الميدانية والالتزام بالمواثيق الحقوقية.

وتفيد القراءة المتأنية لمضامين هذا الملف بأن الأمن الوطني المغربي قد تجاوز المفهوم الضيق المتمثل في كونه مجرد أداة إدارية لضبط النظام، ليتحول إلى ركيزة سيادية واكب تطورها مسار بناء الدولة المغربية الحديثة. فقد شكل قرار الملك الراحل محمد الخامس بإحداث هذا الجهاز خطوة حاسمة لقطع الصلة مع المنظومة الاستعمارية السابقة وتأسيس بنية وطنية بعقيدة أصيلة، حيث كان هذا الإجراء في جوهره تجسيداً مادياً لاستكمال السيادة الوطنية؛ إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي نابع من فجر الاستقلال أن يستقيم أو يستقر دون وجود جهاز أمني وطني قادر على حماية المكتسبات وصيانة مؤسسات الدولة الناشئة.

وقد تجلى التحول الأبرز في مسيرة هذه المؤسسة عبر الانتقال التدريجي من أسلوب العمل الشرطي التقليدي القائم على رد الفعل والتدخل اللاحق لوقوع الجرائم، نحو تبني عقيدة استباقية متكاملة ترتكز على التحليل الاستخباراتي المسبق والتنسيق المؤسساتي الرفيع والاستثمار الواسع في الوسائل التكنولوجية. 

وشكلت الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء سنة 2003 محطة مفصلية فرضت مراجعة شاملة للمقاربات القائمة، مما أثمر ولادة فلسفة أمنية جديدة تضع منع الجريمة وإحباطها قبل التنفيذ كمعيار حقيقي للنجاح، وهو النموذج الذي أكسب المملكة اعترافاً وإشادة دوليين في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وامتدت هذه الدينامية التحديثية لتشمل مراجعة جذرية لفلسفة العلاقة الرابطة بين المؤسسة الأمنية والمواطن، حيث جرى الانتقال من منطق الرقابة والضبط الصارم إلى ترسيخ مفهوم المرفق العمومي الخدماتي القائم على مبادئ "شرطة القرب" وجسور الثقة المتبادلة. وانعكس هذا التوجه ملموساً من خلال ترقية البنيات التحتية لمراكز الشرطة، وإنشاء خلايا متخصصة للاستماع للنساء والأطفال ضحايا العنف، فضلاً عن إطلاق منصات رقمية تفاعلية لتلقي البلاغات وتقديم الخدمات الإدارية، وهي خطوات تعكس في مجملها إرادة حقيقية لـأنسنة العمل الأمني وضمان توافقه مع قيم الشفافية والكرامة الإنسانية والحكامة الجيدة.

وفي سياق متصل، واكبت المؤسسة الأمنية المفهوم الشامل للأمن في العصر الراهن، والذي لم يعد محصوراً في حماية الأشخاص والممتلكات، بل بات يتداخل مع أبعاد سيبرانية واقتصادية وبيئية دقيقة. ومن هذا المنطلق، لم تكن الطفرة الرقمية التي شهدها المرفق الأمني مجرد تحديث تقني عابر، بل صياغة جديدة كلياً لطبيعة العمل الشرطي عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير آليات الشرطة العلمية والأنظمة البيومترية لتأسيس "الأمن الذكي"، بالتوازي مع فتح نقاشات واعية حول سبل حماية المعطيات الشخصية وتحقيق التوازن الدقيق بين المتطلبات الأمنية ومبادئ الحريات الفردية.

وعلى الصعيد الخارجي، تكرس دور الأمن المغربي كفاعل موثوق ومؤثر في المنظومة الأمنية الدولية يتجاوز في تحركاته الحدود الوطنية. فقد نجحت المملكة في بناء شبكة ممتدة من الشراكات الاستراتيجية متعددة الأطراف، مما جعلها شريكاً رئيساً في قضايا مكافحة الإرهاب والحد من الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، وهو ما يجسد انتقال المغرب من مرحلة استهلاك وتلقي الدعم الأمني إلى مرحلة إنتاج وتصدير الخبرة الأمنية والمساهمة الفعالة في استقرار الفضاء الإقليمي والدولي.

وتأسيساً على ما سبق، يقدم هذا العدد الخاص صورة ناصعة لمؤسسة سيادية نجحت في إعادة تعريف أدوارها باستمرار، موازنةً بكفاءة عالية بين الصرامة القانونية والانفتاح المؤسساتي، وبين حفظ الاستقرار واحترام الحقوق والحريات. وبذلك، يتجاوز هذا الملف كونه احتفاءً بذكرى التأسيس، ليصبح وثيقة تطرح تصوراً متطوراً حول كيفية ترسيخ أمن حديث في دولة حديثة؛ أمن يستمد قوته من ثقة المواطن، ولا يكتفي بحفظ النظام العام فحسب، بل يسهم بفعالية في صناعة الطمأنينة العامة ووتعزيز الشعور الجماعي بالأمان.