لم يكن والدي، رحمه الله، رجلاً عادياً في نظر من عرفوه عن قرب. صحيح أنه عاش حياة بسيطة، بعيدة عن مظاهر الترف وتعقيدات العصر، لكنه كان واسع الاطلاع، عميق التأمل، يحمل ثقافة هادئة لا تستعرض نفسها، وحكمة تشبه أولئك الرجال الذين تصقلهم الحياة أكثر مما تصقلهم المنابر. كان يعرف الناس جيداً، ويقرأ تحولات المجتمع بحدس العالم المؤمن، لا بعين المتفرج العابر.
عاش زمناً لم تكن فيه ثلاجات تحفظ الطعام، ولا سيارات تملأ الشوارع، ولا وسائل تكنولوجية تغيّر إيقاع الحياة والعلاقات. كان الناس يومها أقل امتلاكاً للأشياء، لكنهم أكثر التصاقاً ببعضهم. وكانت الحاجة، على قسوتها أحياناً، تُبقي للقلوب دفئها، وللعلاقات معناها الإنساني العميق.
أتذكر جيداً تلك الأيام القليلة التي سبقت عيد الأضحى، حين دخلت أول ثلاجة إلى بيتنا. لم تدخل باعتبارها مجرد جهاز منزلي جديد، بل دخلت محاطة بجدل خفي بين جيلين: جيل يرى في التكنولوجيا راحةً ضرورية، وجيل يخشى أن تغيّر الأشياء الحديثة شيئاً من روح الناس وعاداتهم القديمة.
وقف والدي طويلاً يتأمل الثلاجة بصمت، ثم قال جملته التي لم تغادر ذاكرتي إلى اليوم:
“الله الله على الفقير…”
لم يقلها رفضاً للتقدم، ولا اعتراضاً على الوسائل الحديثة، بل قالها بخوف العارف بما تفعله التحولات الصغيرة في النفوس الكبيرة. كان يدرك أن الثلاجة لن تحفظ اللحم فقط، بل قد تحفظ معه شيئاً من تغير العادات الاجتماعية التي كانت تجعل العيد مناسبة مفتوحة على التكافل والعطاء الفوري.
في زمنه، كانت الأضحية لا تستقر طويلاً داخل البيوت. كان الناس يوزعون الكثير منها على الفقراء والجيران والأقارب، لا فقط خوفاً من فساد اللحم، بل لأن معنى العيد نفسه كان قائماً على شعور داخلي بأن للآخرين نصيباً في فرحتك ورزقك. أما حين أصبحت وسائل الحفظ متاحة، تغيّرت بعض تفاصيل الحياة اليومية، وتبدلت معها، بشكل طبيعي، طرق التدبير والتصرف داخل البيوت.
وكان والدي يرى، ببصيرته العميقة، أن أخطر ما يمكن أن يقع للمجتمعات ليس تغير الوسائل، بل تغير المعاني التي تسكن خلف الوسائل.
كان رحمه الله أقرب، في نظرته للحياة، إلى أولئك الصالحين الذين فهموا أن الرحمة ليست فعلاً اجتماعياً فقط، بل مقام روحي أيضاً. وكان يعتقد أن الفقير ليس مجرد محتاج للطعام، بل هو امتحان دائم لصدق القلوب. وكان يرى أن البركة لا تسكن فيما نملكه، بل فيما نتخفف منه حباً لله ورفقاً بعباده.
وكان يقول أحياناً، بمعناه لا بلفظه، إن الأشياء حين تدخل البيوت ينبغي ألا تُخرج منها إنسانيتها. فليس كل تقدم يضيف بالضرورة دفئاً إلى الأرواح، ولا كل راحة تجعل الإنسان أكثر قرباً من أخيه الإنسان.
ومع مرور السنوات، أدركت أن والدي لم يكن يتحدث عن الثلاجة وحدها، بل عن زمن كامل كان يرى ملامحه القادمة. زمنٍ قد يربح فيه الإنسان كثيراً من وسائل الراحة، لكنه يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يحافظ على ذلك الخيط الدافئ الذي كان يربط الناس ببعضهم في لحظات البساطة والتقاسم والعيد.
واليوم، كلما رأيت كيف أصبحت تفاصيل الحياة أكثر تنظيماً وارتباطاً بوسائل الراحة الحديثة، أتذكر وجه أبي وهو يردد بحزن العارف ورحمة المؤمن:
“الله الله على الفقير…”
فأفهم أكثر أن الرجل لم يكن يخاف على اللحم من الفساد، بقدر ما كان حريصاً على أن تبقى الرحمة حية داخل القلوب، مهما تغيّرت الأزمنة والوسائل.






