مجتمع وحوداث

حديث الاربعاء: لعنة “جبروت”

عبد الرفيع حمضي

أثارت التسريبات الأخيرة المرتبطة بما يعرف إعلاميا بـ“جبروت” نقاشا واسعا، ليس فقط بسبب طبيعة المعطيات المتداولة، ولكن أيضا بسبب حجم التفاعل المجتمعي معها. وبعيدا عن الجدل التقني أو القانوني المرتبط بعمليات التسريب، فإن ما وقع أعاد إلى الواجهة سؤالا أعمق يتعلق بعلاقة المجتمع بالمال والثروة والشفافية.

في الواقع، تبدو علاقة المغاربة بالمال علاقة مركبة ومشحونة بحساسيات تاريخية واجتماعية متعددة. فكلما تعلق الأمر بالثروة أو الصفقات أو مظاهر الثراء السريع، يعود النقاش العمومي بقوة، وكأن المجتمع لا يناقش فقط الأرقام، بل يناقش أيضا معنى الثروة، وكيفية تشكلها، وموقعها داخل فكرة العدالة والإنصاف.

أكيد أن المغرب عرف مسارات اقتصادية حقيقية بناها مستثمرون شرفاء ومقاولون اشتغلوا وتعبوا وخلقوا فرص شغل، وأسهموا في تحريك الاقتصاد الوطني. لكن، في المقابل، تراكمت عبر مراحل مختلفة صور وانطباعات جعلت جزءا من الرأي العام ينظر أحيانا إلى بعض مظاهر الثراء بعين التساؤل والريبة، خاصة حين يرتبط الأمر بالنفوذ أو المال العام أو الامتيازات.

جزء من هذه الصور يعود إلى المرحلة الاستعمارية، حيث ارتبطت الثروة أحيانا بالقرب من سلطات الحماية أو بالامتيازات، كما كان الحال مع الباشا الكلاوي أو القائد عيسى بن عمر وغيرهم ثم جاءت مراحل أخرى ترسخت خلالها قناعة بأن جزءا من الثروات لم يكن دائما نتيجة استثمار منتج أو تنافس اقتصادي شفاف، بل نتيجة القرب من الإدارة، أو استغلال النفوذ، أو الريع، أو الفساد، أو التهرب الضريبي، أو اقتصاد المخدرات، أو التوظيف السياسي لبعض المواقع داخل الجماعة أو البرلمان أو النقابة أو الحزب.

لهذا، فإن النقاش حول الشفافية لم يعد مطلبا حقوقيا فقط، بل أصبح جزءا من منطق الدولة الحديثة نفسها. فالمغرب استثمر خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير في الرقمنة، والإدارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والتحول الرقمي. وهذه التحولات لا يمكن أن تشتغل بمنطق قديم قائم على إخفاء المعطيات أو التحكم التقليدي في تداول المعلومات.

في العالم الرقمي، يصعب عمليا الحديث عن “شفافية جزئية”. فالإدارة الإلكترونية تقوم أساسا على التتبع، والأرشفة، وربط المعطيات، وإمكانية الوصول إليها وتحليلها. وكلما توسعت الرقمنة، توسعت الحاجة إلى وضوح القواعد، وإلى بناء الثقة الرقمية بين المواطن والمؤسسات.

وربما هنا يمكن استحضار مفهوم “الغلاسنوست” أو الشفافية، التي أطلقها Mikhail Gorbachev خلال مرحلة الإصلاح في الاتحاد السوفيتي السابق، والتي لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت اعترافا بأن الأنظمة الحديثة لا يمكن أن تستمر بمنطق الحجب الكامل للمعلومة، وأن الانفتاح التدريجي أصبح شرطا لفهم المجتمع، ولمواجهة الاختلالات، وإعادة بناء الثقة.

طبعا، السياقات مختلفة، لكن الفكرة الأساسية بقيت نفسها: كلما تطور المجتمع، وتوسعت الرقمنة، وارتفع منسوب الوعي، أصبحت الشفافية أكثر ضرورة، ليس فقط لحماية المال العام، بل أيضا لحماية المؤسسات نفسها من الإشاعة ومن فقدان الثقة.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في محاولة إيقاف تدفق المعلومات، بل في بناء ثقافة مؤسساتية قائمة على الوضوح والاستباق والتواصل.

المطلوب ليس خلق عداء مع الثروة، بل حماية صورة النجاح المشروع، وتقوية الثقة في أن التنافس يتم وفق قواعد واضحة وشفافة، وأن المجتمعات القوية هي تلك التي تنتج الثروة، وتنجح في بناء الثقة حول كيفية إنتاجها وتدبيرها.

وبين ما يقال وما لا يقال… يبدو أن سقف الرقمنة ليس هو الحواسيب فقط، لأن “اللي بغا سيدي علي… يبغيه بقلالشو "