في كل مرة، يخرج وزراء حكومة التغول الثلاثي بتصريحات مستفزة عن “تحسن الوضع” و”انخفاض الأسعار”، بعيدة كل البعد عن معاناة المواطن المغربي اليومية. وهذا بالضبط ما حدث مع تصريح وزير الفلاحة أحمد البواري حول انخفاض أسعار الأضاحي، الذي بدا فيه وكأنه يتحدث عن ثمن مواشي لبلد آخر لا من الأسواق التي يعرف المغاربة تماما الارتفاع الصاروخي الذي لحقها.
فبعد السفسطة التي مارسها وزير التعليم برادة علنا، ها هو وزير الفلاحة البواري بدوره يقدم أرقاما تضليلية، بكل صفاقة ووقاحة يدعي فيها أن ثمن الأضحية يبتدئ ب 1000 درهم، في استخفاف سافر بمشاعر المواطنين الذين يكتوون كل يوم بنيران جشع اللوبيات التي استهدفتهم في قوتهم اليومي، فالوزير الذي تسبب هو ومن معه في السنة الفارطة من حرمان المغاربة من هذه الشعيرة الدينية بسبب سوء تسييرهم وتدبيرهم لرؤوس ماشية كافية وفق منطق العرض والطلب، ها هو الوزير نفسه اليوم يمارس التضليل من داخل القبة دون أن يتساءل مع نفسه: هل هو واع بما يقول؟ أم أنه استلم مشعل السفسطة عن زميله في الحزب والحكومة برادة؟ وهل يدرك بأن المواطن المغربي البسيط لن يتمكن من شراء الأضحية دون أن يغرق في الديون؟ وهل الأسرة المغربية البسيطة قادرة على الحفاظ على هذه الشعيرة دون أن تضحي بحاجيات أساسية أخرى؟
ففي الوقت الذي يتحدث فيه الوزير عن انخفاض الأسعار بينما المواطن يرى أن ثمن “الحولي” ما زال صاروخيا، فإن المشكلة هي مشكلة مصداقية فقدتها هذه الحكومة لا مشكلة قدرات تواصلية ضعيفة لوزرائها، لأن المسؤول الحقيقي لا يقدم صورة وردية ولا يركض للأمام ليقدم أرقاما كاذبة، لكن وجب عليه الاعتراف بحجم الأزمة ليواجهها بوضوح، أما ومحاولة تلميع الواقع بأرقام هزيلة غير حقيقية فإنها لن تغير شيئا من معاناة المواطن البسيط، بل سترفع من اختلال منسوب الثقة لديه.
المؤلم أكثر في هذا التصريح، أن الكساب المغربي سيظهر كذلك بمظهر الفراقشي الأفاك، بينما معاناته اليومية تقول شيئا آخر تماما، فسومة كل من الأعلاف والنقل مرتفعة، كما أن القدرة الشرائية للمغاربة البسطاء أضحت منهكة، والرواتب اليوم لا تواكب الغلاء الفاحش، ثم يخرج السيد الوزير من داخل القبة ليطلب من الناس أن يصدقوا أن الأسعار انخفضت! أي انخفاض هذا الذي لا يراه إلا البواري؟ وكأن تجارة المواشي قد بارت في عهده.
المغاربة لا ينتظرون الكذب والبهتان، لكنهم ينتظرون قرارات حقيقية تحمي قدرتهم الشرائية وتحفظ كرامتهم، لأن المواطن حين يقف عاجزا أمام ثمن الأضحية، ثم يسمع مسؤولا وزاريا يتحدث عن “الانخفاض”، فإنه يشعر بأن هناك فجوة كبيرة بين من يعيش واقع الغلاء في الأسواق ومن يصفه وهو متواجد بالمكاتب المكيفة في الوزارات.
احترام المواطن المغربي يبدأ بالصدق معه، لا بتسويق سرديات كاذبة مضللة لا تنسجم مع ما يراه بأم عينه ويمسه في جيبه كل يوم من ارتفاع صاروخي للأسعار، وأن الوزير المسؤول لا يختبئ خلف لغة التضليل، ولا يحاول تسويق الوهم في القبة التشريعية دون احترام لذكاء المؤسسات بما فيها المؤسسة الملكية.






