لم تكن الأزمة الكبرى التي وقعت فيها كثير من الحركات الإسلامية المعاصرة أزمةَ تدينٍ أو حماسةٍ أو رغبةٍ في الإصلاح، وإنما كانت أزمةَ مرجعيةٍ فلسفية ومنهجية؛ إذ تحوّل الإسلام عند عدد غير قليل من هذه التيارات من دينٍ شاملٍ يقدّم رؤيةً متوازنةً للإنسان والحياة والكون إلى مجرد أداة تعبئةٍ سياسية تستعير مفاهيمها من الفلسفات الثورية الحديثة، وعلى رأسها الفلسفة الماركسية القائمة على الصراع الطبقي والجدلية المادية والنضال الثوري ضد المجتمع والدولة ومؤسساته الإسلامية الرسمية.
لقد نشأت أغلب الحركات الإسلامية المعاصرة في بيئةٍ كانت الجامعات والنقابات والاتحادات الطلابية والأحزاب السياسية فيها خاضعةً لهيمنة الفكر اليساري والماركسي والقومي الثوري، خصوصًا في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي . وكانت الشعارات الكبرى التي تملأ الفضاء الثقافي والسياسي والإعلامي آنذاك هي: الثورة، والتحرير، والعدالة الاجتماعية، والكفاح الشعبي، والنضال الجماهيري، ومواجهة الإمبريالية، وإسقاط الأنظمة “الرجعية”، وتحرير الطبقات “المستضعفة” من هيمنة “البرجوازية” و”الرأسمالية” و”الاستبداد”.
وفي خضم هذا المدّ الثوري الجارف، لم تستطع الحركات الإسلامية الناشئة أن تبني مشروعها الفكري من داخل الرؤية الإسلامية الخالصة، بل تأثرت ـ شعرت أو لم تشعر ـ بالبنية الفكرية والتنظيمية للحركات الماركسية والقومية، فقلّدت أدواتها وأساليبها وخطابها، ثم ألبست ذلك كله لباسًا إسلاميًا .
فالحلقات التنظيمية السرية، والتربية الحركية المغلقة، والخلايا الطلابية، والتعبئة الجماهيرية، وأدبيات “النضال”، و”الثورة”، و”التغيير الجذري”، و”إسقاط الأنظمة”، واحتقار المؤسسات الوطنية التقليدية، بل حتى تقسيم المجتمع إلى فئات “مستضعفة” و”مستكبرة”، كلها مفاهيم مستوردة من النظرية الماركسية، لكنها أُعيدت صياغتها بعبارات اسلامية.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يظهر داخل التيارات الإسلامية ما سُمّي بـ”الاشتراكية الإسلامية”، وب" اليسار الإسلامي " وأن يكتب بعض رموز الحركات الإسلامية عن “الثورة الإسلامية”، و”النضال الإسلامي”، و”العدالة الاجتماعية في الإسلام” بمنطقٍ يكاد يكون نسخةً معدلةً من أدبيات اليسار الثوري . ولم يكن صدفةً أن تتحول شخصيات عظيمة في التاريخ الإسلامي مثل عمار بن ياسر وبلال الحبشي وسلمان الفارسي إلى رموزٍ ثورية داخل الحلقات الطلابية في الجامعات، لا بوصفهم نماذج إيمانية وروحية وأخلاقية، وإنما باعتبارهم ـ وفق القراءة الحركية المؤدلجة ـ رموزًا لـ”المقهورين” و”المستضعفين” في مواجهة “الطبقات المتسلطة”.
لقد أُعيد تفسير الإسلام كله من خلال عدسة الصراع السياسي والاجتماعي، حتى أصبح الدين عند بعض الحركات مشروعَ احتجاجٍ دائم، لا مشروعَ هدايةٍ وإعمارٍ وتزكية وتربية .
والأخطر من ذلك أن هذه التيارات الدينية خاضت لعقودٍ طويلة معارك ضارية ضد الماركسيين والشيوعيين داخل الجامعات والنقابات والشارع السياسي، وكانت تعتبرهم ملاحدةً وأعداءً للدين والأمة، لكنها في الحقيقة كانت تتشابه معهم في البنية الفكرية العميقة، وإن اختلفت الشعارات والمرجعيات الظاهرية . فالماركسي والإسلامي الحركي كلاهما ينظر إلى المجتمع باعتباره ساحة صراع دائم، وكلاهما يؤمن بفكرة “الطليعة”، وكلاهما يحتقر المؤسسات التقليدية، وكلاهما يعبّئ الجماهير ضد “السلطة الحاكمة”، وكلاهما يرى أن التغيير لا يكون بالتدرج والإصلاح الهادئ وإنما بالضغط الثوري المستمر.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن ينتهي الأمر في السنوات الأخيرة إلى تحالفات صريحة بين الإسلاميين واليسار الماركسي، بعدما اكتشف الجميع أنهم يلتقون في العدو المشترك: الدولة الوطنية، والمؤسسات الدينية الرسمية، والعلماء المرتبطون بهذه المؤسسات ، وكل خطابٍ يدعو إلى الإصلاح الهادئ والتدرج والحفاظ على كيان الأمة.
وهكذا أصبحنا نرى اجتماعاتٍ وتحالفاتٍ تضم الإسلامي، والماركسي، والشيوعي، والسلفي الحركي، وحتى الجهادي أحيانًا، تحت شعارات “الحرية”، و”الثورة”، و”إسقاط الاستبداد”، و”العدالة الاجتماعية”، وهي شعارات قد تبدو براقةً في ظاهرها، لكنها في عمقها تستبطن الفلسفة الماركسية القائمة على الصراع والتفكيك والتحريض الطبقي والسياسي .
لقد تحولت كثير من الحركات الإسلامية -للأسف - إلى نسخٍ دينية من اليسار الثوري، حتى وإن أنكرت ذلك لفظيًا .
ومن أخطر نتائج هذا التحول الفكري أن هذه التيارات بدأت تنظر إلى العلماء الرسميين ورؤساء المجالس العلمية وأئمة المساجد ومدراء المؤسسات الإسلامية ومجالس الإفتاء ووزارات الأوقاف باعتبارهم “علماء سلطان”، أو “فقهاء الحيض والنفاس”، أو “وعاظ البلاط”، بينما أصبح “العالم الحقيقي” عندهم هو الذي يحرض على الثورة، ويعبّئ الجماهير، ويخوض المعارك السياسية، ويسير في المسيرات التحريضية ومنخرط بالكمال والتمام في فلك التنظيم والحزب والحركة.
وهنا وقع الانقلاب الخطير: فبدل أن يكون العالم وارثًا للنبوة، داعيًا إلى الحكمة والإصلاح وحفظ الدين والنفس والوطن والأمة، أصبح مطلوبًا منه أن يكون ثوريًا ومحرضًا وقائد تعبئة سياسية.
إن هذه النظرة ليست إسلامية في أصلها، وإنما هي امتدادٌ واضح لفكرة “المثقف الثوري” في الفكر الماركسي، حيث يتحول رجل الفكر والدين إلى أداة صراع سياسي .
والحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها هي أن الإسلام في فلسفته العميقة يتعارض جذريًا مع الرؤية الماركسية للإنسان والحياة والكون .
فالماركسية فلسفة مادية تنكر الغيب، وتفسر التاريخ والإنسان والوعي والأخلاق تفسيرًا اقتصاديًا طبقيًا. الإنسان فيها مجرد كائن تحركه المصالح المادية وشهواته الجنسية، والتاريخ ليس إلا صراعًا بين الطبقات، والدين ليس إلا “أفيون الشعوب” كما قال ماركس.
أما الإسلام، فإنه ينظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا مكرمًا، مخلوقًا لعبادة الله وعمارة الأرض، يحمل بعدًا روحيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، وليس مجرد آلة اقتصادية أو رقم في معادلة الصراع الطبقي .
الإسلام لا يؤسس المجتمع على الحقد الطبقي، وإنما على التكافل والعدل والرحمة والتعاون. والزكاة في الإسلام ليست أداةَ انتقامٍ من الأغنياء، بل وسيلة تطهيرٍ وتحقيقٍ للتوازن الاجتماعي. والغني في الإسلام ليس عدوًا بالضرورة، كما أن الفقير ليس ملاكًا بالضرورة، وإنما معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح.
ولهذا لم يعرف التاريخ الإسلامي يومًا فلسفة الصراع الطبقي التي عرفتها أوروبا الحديثة نتيجة ظلم الكنيسة والإقطاع والرأسمالية المتوحشة. بل كان الإسلام يعمل على دمج المجتمع لا تمزيقه، وعلى بناء الأمة لا تقسيمها إلى طبقات متحاربة.
كما أن الإسلام لا يدعو إلى الثورة الدائمة على الحاكم والمجتمع، لأن الفوضى في المنظور الإسلامي أخطر من كثير من مظاهر الظلم الجزئي. ولهذا جاءت النصوص الشرعية الكثيرة التي تؤكد على حفظ الجماعة، وتحريم الفتن.. لأن انهيار الدول وتمزيق المجتمعات يفتح أبواب الدماء والفوضى والاحتراب الأهلي .
لكن الحركات الإسلامية المؤدلجة، المتأثرة بالروح الثورية الماركسية، لم تستوعب هذا المنظور المقاصدي العميق للدين الإسلامي، فاختزلته في معارك سياسية، وحوّلت الإسلام إلى مشروع احتجاج دائم، حتى أصبحت الأمة تعيش حالة استنزاف وصراع لا ينتهي .
إن أخطر ما فعلته هذه الحركات أنها أخرجت الشباب من التدين الروحي والأخلاقي إلى التدين الحركي الصدامي. فبدل أن يكون همّ الشاب تزكية النفس والعلم والعمل والإصلاح الحقيقي، أصبح مشغولًا بالثورة والمؤامرات والصراعات وإسقاط الأنظمة ومهاجمة العلماء وتكفيرهم وتخوين المجتمعات .
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض هذه الحركات مع الوقت إلى جماعات عنيفة أو تنظيمات متطرفة، لأن منطق الصراع إذا أُطلق فلن يتوقف عند حدّ .
إن الإسلام ليس ماركسيةً بعمامة، وليس يسارًا ثوريًا بلحية، وليس مشروعًا لتفكيك الدول وتحريض الشعوب. الإسلام دين هداية واستقرار وعدل ورحمة وعمران، لا دين فوضى وصراع دائم.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الإسلاميين الذين كانوا يهاجمون شعار “ما لله لله وما لقيصر لقيصر” انتهوا عمليًا إلى تبني هذا المنطق، حين جعلوا الدين مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة أو معارضة السلطة، وحين فصلوا بين التدين الروحي والأخلاقي وبين العمل السياسي الصدامي.
لقد تحولت الدعوة عند بعضهم إلى أيديولوجيا، وتحول الدين إلى حزب، وتحولت الأمة إلى جماهير تعبئة، وتحول العلماء إلى أدوات تصنيف: فمن كان معهم فهو “عالم رباني جليل”، ومن خالفهم فهو “عالم سلطان”.
إن الأزمة الحقيقية اليوم ليست فقط في اليسار الماركسي، بل في الإسلاميين الذين استعاروا روحه الثورية وصراعاته الطبقية ثم ظنوا أنهم يخدمون الإسلام بذلك.
والخروج من هذه الأزمة لا يكون بمزيد من الثورة والصراع والتحريض، وإنما بالعودة إلى الفهم الإسلامي الأصيل القائم على المقاصد الكبرى: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض، وحفظ الدولة والمجتمع، وبناء الإنسان، وتحقيق العدل بعيدًا عن فلسفات الكراهية الطبقية والثأر السياسي.
لقد أثبتت التجارب أن الشعارات الثورية قد تهدم الأوطان أسرع مما تبنيها، وأن التحالف بين التيار الإسلامي المؤدلج واليسار الثوري لم ينتج إلا مزيدًا من الفوضى والانقسام والكراهية.
أما الإسلام الحقيقي، فهو أوسع من التنظيمات، وأبقى من الأحزاب، وأنقى من الأيديولوجيات، وأعمق من كل الفلسفات المادية التي اختزلت الإنسان في صراعٍ على الخبز والسلطة .






