فن وإعلام

الكتاب …القارئ والبروتوكول

عبد الرفيع حمضي

اقتنيت الكتاب في اليوم الاول من المعرض الدولي للكتاب بالرباط. لم يكن اقتناء عابرا، بل بدافع الاهتمام بموضوعه وبصاحبه. قرأت منه صفحات في الايام الموالية، وراودتني اسئلة متعددة، من تلك التي لا تكتفى بقراءتها، بل تبحث لها عن لحظة نقاش مع صاحبها. كان من الطبيعي ان اترقب لقاء التقديم، باعتباره امتدادا لفعل القراءة.

في اليوم الموعود، كان اللقاء مبرمجا على الساعة السادسة مساء، باحد فنادق المدينة. وصلت قبل دقائق قليلة من التوقيت المحدد. القاعة كانت عادية، الجمهور يصل جالس، لا ازدحام ولا ارتباك. كل شيء يوحي بان اللقاء سينطلق في هدوء، كما ينبغي لاي لحظة ثقافية ان تبدأ.

لكن اللقاء لم يبدأ.

مرت الدقائق، ثم امتدت الى ساعة كاملة، دون ان ينطلق النقاش. لا توضيح، لا تفاعل، فقط انتظار معلق. في تلك اللحظة، لم يعد الامر يتعلق بتأخر عابر، بل بشيء اعمق. فاحترام الزمن، في مثل هذه اللقاءات، ليس تفصيلا تقنيا، بل هو اول اشكال الاعتراف بالقارئ.

قبل يوم فقط، وفي نفس الفضاء العام للمعرض الدولي للكتاب كان الطاهر بنجلون يوقع كتابه الاخير. ومن بين ما وقف عليه في حديثه، انه عبر باعجاب واضح بالتحولات التي يعرفها المغرب، اجتماعيا واقتصاديا وفي مجالات متعددة، لكنه توقف عند نقطة اعتبرها ضعفا بنيويا: علاقتنا بالوقت. قال، ببساطة، انه لا يفهم كيف يمكن لمجتمع يتقدم بهذا الشكل ان يستمر في التساهل مع الزمن ومع الالتزام بالمواعيد.

كانت تلك الفكرة عابرة في سياق لقاء، لكنها بدت هنا وكانها تكتسب معناها الكامل.

ففي الثقافة التي تكتب بها مثل هذه الاعمال، لا تفهم العقلانية فقط كمنهج في التفكير، بل كأسلوب في التعامل. والعقلانية، في احد تجلياتها الاساسية، هي احترام الزمن، واحترام القارئ، وعدم المفاضلة بين الحاضرين. حين يغيب هذا المعنى، يتحول اللقاء من فضاء للنقاش الى لحظة معلقة، بلا روح.

ومع مرور الوقت، بدأت ملامح اخرى تتضح. اماكن في الصفوف الامامية محجوزة، مسافة غير مبررة بين الكاتب وجمهوره، وتنظيم يضع القارئ في موقع المتفرج لا الشريك. لم يكن الامر فوضى، بل على العكس، كان نظاما… لكن بنفس بروتوكولي لا ينسجم مع طبيعة اللقاء الثقافي.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي يحدث حين تدخل الثقافة الى منطق البروتوكول؟

حين يعاد ترتيب الفضاء وفق منطق الامتياز، يفقد الكتاب احد اهم ابعاده: كونه مساحة مشتركة. وهنا نستحضر ما تحدث عنه يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي، باعتباره مجالا للنقاش الحر بين افراد متساوين، لا بين مراتب اجتماعية متفاوتة. كما نستحضر رولان بارت حين اعاد الاعتبار للقارئ، ليس كمستهلك، بل كمنتج للمعنى.

ولا بد من التأكيد، بكل وضوح، ان هذا الكلام لا يمس في شيء قيمة الكتاب ولا مكانة مؤلفه. فـ “Maroc, le defi de la puissance” يندرج ضمن النقاش الجاد حول تحولات المغرب، وصاحبه من الاسماء التي راكمت تجربة مهنية معتبرة. بل ان اهمية الكتاب هي التي تجعل من حق قرائه ان يلتقوا به في فضاء يليق به، فضاء مفتوح، بلا حواجز.

بعد ساعة من الانتظار، غادرت القاعة.

لم اطرح اسئلتي، ولم يوقع لي الكتاب.

لم يكن ذلك احتجاجا، بل شيء اقرب الى حسرة هادئة. حسرة قارئ جاء ليكمل ما بدأه مع الكتاب، فوجد ان المسافة بينه وبين صاحبه اكبر مما ينبغي.

ربما هي مجرد عثرة تنظيمية. لكن ما يخيف في مثل هذه التفاصيل الصغيرة هو قابليتها لان تتحول الى قاعدة. لان الثقافة، حين تحاط بالحواجز، تفقد بساطتها، وتفقد معها قدرتها على خلق ذلك اللقاء الصادق بين فكرة ومن يبحث عنها.

وبينما يقال وما لا يقال… يبقى الرهان بسيطا: ان يعود الكتاب الى طبيعته الاولى، مساحة مفتوحة، يحترم فيها الزمن، ويستقبل فيها القارئ كما هو… قارئا فقط .