فن وإعلام

استعادة ذاكرة الجيل الأول من المهاجرين المغاربة في فرنسا

كفى بريس (متابعة)

استعاد المشاركون في ندوة تقديم الكتاب الجماعي المعنون ب “ذاكرات الحياة، حكايات رواد الهجرة المغربية بفرنسا” الصادر عن مجلس الجالية المغربية بالخارج، بشراكة مع سفارة المغرب في فرنسا، ذاكرة الجيل الأول من المهاجرين المغاربة في فرنسا، وذلك خلال اللقاء الذي احتضنه الأحد ثالث ماي الجاري رواق مؤسسات الحكامة المشترك، بالدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.

 وفي هذا اللقاء الذي تولت تنشيطه الإعلامية حنان الحراث، المنظم في اطار البرنامج الثقافي لمجلس الجالية المغربية بالخارج، استحضرت الكاتبات المساهمات في هذا العمل التوثيقي، وهن سندس الشرايبي، وهاجر أزيل وسميرة العياشي، وريم بطال، المنتميات إلى الجيل الجديد من الهجرة المغربية في فرنسا.

مسارات متقاطعة

بالنسبة لسندس الشرايبي، فإن كل قصة من قصص المهاجرين الأوائل تكشف عن مسار فريد حتى وإن كانت مسارات الهجرة تتشارك في نفس الخطوط العريضة مثل الرحيل والمعمل والمنفى؛ وهو ما كان يفترض أن تكون مجموعة من الشهادات المتشابهة، لكن تبين فيما بعد أنه فسيفساء من حياة غير متوقعة. وقالت في هذا الصدد: «بمجرد أن بدأنا في تلقي القصص، وجدنا أن كل واحدة منها مختلفة عن الباقي، وكانت طرق سردها مختلفة جداً».

من جهتها تستعيد فيه هاجر أزيل لقاء غير متوقع مع التاريخ السياسي، وهي تتذكر أحد أحياء ضاحية نانتير حيث كان يختبئ أعضاء الجبهة الوطنية للتحرير، وشخصيات تكاد تكون روائية، مثل ذلك الشخص الذي يذهب إلى حلبة الملاكمة بعد قضاء يومه في المعمل حيث كان نقابيا هناك، في حين تروي سميرة العياشي، كيف أنها اكتشفت أسرارا عن هؤلاء الأشخاص، لم تكن العائلات نفسها على علم بها. وقالت في هذا السياق: «هناك من أخبرونا بأشياء لم يروينها لأبنائهم».

 وإذا كان الكتاب يكشف عن حياة كاملة وغنية وأحيانا سرية عن حياة المهاجرين من الجيل الأول، فإن الغوص في ذكريات ذات طابع شخصي عميق، جعل هذا المشروع يؤثر في هاجر أزيل التي عبرت عن تأثرها، وهي تحظى بشرف سرد الحياة الهشة لهؤلاء الأشخاص، التي وجدت في قصصهم ذكريات أجدادها المتوفين، مؤكدة على خصوصية " الحياء والحشمة" طرحت لديها سؤالا أدبيا حول كيفية الكتابة في ظل صمت هاته الشخصيات.

وعن حضور المغرب في ذاكرة هؤلاء المهاجرين، تؤكد الكاتبة سندس الشرايبي على أن المغرب لم يغادر هؤلاء الرجال والنساء، مشددة على الرابط القوي لهذا الجيل مع المغرب غير قابل للوصف، يتجسد في أبسط الممارسات اليومية مثل تشغيل الراديو لعدم تفويت أي مباراة للمنتخب الوطني، والدموع التي ذرفت عند وفاة الملك الحسن الثاني، وكأنهم فقدوا جزء من أنفسهم.

وفي نفس الإطار تتوقف سندس الشرايبي على نقطة أخرى مهمة بالنسبة للبعض فيما يتعلق بعلاقتهم مع المغرب، بحيث يحمل هذا الارتباط أيضا بصمة التاريخ، على اعتبار أن العديد منهم كان يناضل من أجل استقلال المغرب قبل الذهاب إلى فرنسا، وهو الفخر الذي ظل حاضرا في ذاكرتهم، ولم تنل منه سنوات الاشتغال المعامل، ولا المنفى، ولا الزمن .

أما الشاعرة والكاتبة ريم بطال، فقد وجدت بصمة المغرب حيث كان من المتوقع أن تجدها، أي داخل البيوت، إذ يحضر المغرب بقوة في طريقة تأثيث منازل هذا الجيل، وأسلوب حفاوة استقبالهم للضيوف بتوزيع كؤوس الشاي مرفوق بحلويات الكعك المغربي. وأشارت إلى أن العديد من الأشخاص الذين قابلتهم في إطار اعداد هذا الكتاب ساهموا بشكل تطوعي في «بناء المدارس والمساجد في مناطقهم الأصلية في المغرب»، محافظين بذلك على لحمة قوية مع وطنهم الأصلي.

ومن بين القضايا التي استأثرت باهتمام الكاتبات في هذا المؤلف الجماعي هي قضية المرأة، بحيث كانت المهمة الأولية هي مقابلة المهاجرين الأوائل في خمسينيات القرن الماضي الذين كانوا رجالا بالدرجة الأولى، تلاحظ سندس الشرايبي، مستدركة أن وراء كل رجل تمت مقابلته، كانت هناك امرأة ترعاه.

 نفس الشيء توقفت عنده أيضا ريم بطال بقولها إن الزوجات كانت دائما إلى جانب الرجال الذين قابلتهم، كحارسات للذاكرة، وكمحافظات على التواريخ والأوراق. لكن بالنسبة للروائية سميرة العياشي، فإن هذه النقطة أصابتها بالإحباط لأنه " سرعان ما أدركت أنني أتعامل مع رجال، وأن النساء هن أكبر المنسيات على الرغم من الدور السياسي الذي لعبنه".

 وأضافت أنها ما زالت تشعر بالإحباط لأنهن لم يتمكن حقًا من الوصول إلى قصص النساء" تقول العياشي، قبل أن تشير إلى أنها قابلت مع ذلك نساء رائدات في التحرر، من بينهن امرأة تدعى نعيمة، التي كان اللقاء معها بمثابة هدية أعادت سميرة العياشي بناء نفسها من خلالها.

بالنسبة لكافة الكاتبات المشاركات في هذا المؤلف، فإن هذه المغامرة الجماعية تجاوزت حدود العمل الأدبي ، لتتحول الى تجربة شخصية. تقول سميرة العياشي، المولودة بفرنسا لأبوين مهاجرين إن ” هذه المشاهد كانت مألوفة بالنسبة لي وسرعان ما قلت لنفسي إنني سأصطحب القارئ معي، إلا أنه وفي لحظة ما، أعادني الموضوع إلى ذكريات من تاريخي الخاص"، في حين تعترف ريم بطال بأنها عانت في البداية من الخوف من عدم النجاح، قبل أن تكتشف بأن " أولئك الذين اعتقدوا في البداية، بأن تجاربهم لم تكن ذات قيمة كافية، لتظهر في كتاب اكتشفوا في النهاية أن قصصهم كانت رائعة".

أما هاجر أزيل، فتلخص بعاطفة ما يقدمه الكتاب ضمنياً بالقول: إن قصص المهاجرين الأوائل تقدم العديد من الدروس، “نكتشف أيضاً المغرب من خلالهم، ونكتشف فواكه القرى التي ينحدرون منها وأيضا طرقاتها” .

يذكر أن المؤلف هو ثمرة تعاون بين مجلس الجالية المغربية بالخارج وأربع كاتبات من حساسيات أدبية مختلفة، جمعوا شهادات لمهاجرين مغاربة قدماء من مختلف أرجاء فرنسا. وحول منهجية إعداد الكتاب تقول الكاتبة سندس الشرايبي، إنهن حصلن على قوائم بعض المهاجرين الموجودة بالقنصليات، وقمن بتحديد هوية العائلات، وشرح المشروع لهم، ونسجن معهم علاقات بشكل منفرد.