سياسة واقتصاد

مفهوم "الاغتراب": من التجريد الهيغلي إلى المادية الاقتصادية الماركسية

سالم يفوت

قلما نجد مصطلحاً فلسفياً يعكس بدقة شعور إنسان العصر الحديث بضياعه وانفصاله عن نفسه وعالمه مثل مفهوم "الاغتراب" (Alienation). هذا المفهوم لم يولد فجأة في المصانع، بل يمتلك شجرة عائلة مفاهيمية معقدة بدأت في سماء التجريد وانتهت في طين الاقتصاد.


كانت الانطلاقة الكبرى للمفهوم مع الفيلسوف جورج فيلهلم فريدريش هيغل، الذي استخدمه كأداة لوصف حركة الكون. بالنسبة لهيغل، "الروح المطلق" يخلق الطبيعة والعالم المادي ويتجسد فيهما، وبذلك "يغترب" عن ذاته. هذا الاغتراب الهيغلي ليس مرضاً، بل هو خطوة ضرورية؛ فالروح يجب أن تفقد نفسها في المادة لكي تسترد وعيها بذاتها في النهاية عبر العقل الإنساني.


جاء الفيلسوف لودفيغ فويرباخ لينتزع المفهوم من هذا التجريد الكوني ويمنحه بُعداً أنثروبولوجياً (إنسانياً). عرّف فويرباخ الاغتراب بأنه عملية إسقاط نفسية؛ الإنسان يمتلك صفات عظيمة كالمحبة والعدل والعلم، لكنه بدلاً من إدراكها في نفسه، يقوم باقتطاعها وإسقاطها على كائن إلهي متخيل في السماء، ثم يركع أمامه خاضعاً. الاغتراب هنا هو تنازل الإنسان عن جوهره لصالح وهم خلقه بنفسه.


لكن المفهوم بلغ ذروته النقدية والصارمة مع كارل ماركس. رفض ماركس اختزال الاغتراب في الدين أو الروح المطلق، ونقله إلى عالم الاقتصاد والمادة. الاغتراب الماركسي يحدث في عملية "العمل" ذاتها في ظل الرأسمالية. فبدلاً من أن يكون العمل وسيلة لتحقيق الذات الإنسانية (Gattungswesen)، يتحول إلى عملية يُنتزع فيها إنتاج العامل منه ليصبح سلعة غريبة تسيطر عليه. يغترب العامل عن نتاج عمله، وعن نشاطه، وعن إنسانيته، وحتى عن زملائه العمال. تحوّل الاغتراب من مسار روحي عند هيغل، وعقدة دينية عند فويرباخ، إلى استلاب مادي عند ماركس تفقد الإنسان ماهيته وتجعله مجرد ملحق بالآلة.