سياسة واقتصاد

هل يُلدغ المغاربة من الجحر نفسه مراراً؟

محمد سلام (تدوينة)

من سؤال داخلي إلى رهان دولي: كيف يؤثر الاختلال السياسي على موقع المغرب كقوة صاعدة؟

لم يعد النقاش حول الانتخابات والأحزاب في المغرب شأناً داخلياً صرفاً؛ ففي عالم تُعاد فيه صياغة موازين القوى، أصبح الأداء السياسي الداخلي عنصراً محدِّداً في القوة الجيوسياسية للدول. ومن ثمّ يبرز سؤال مركزي: هل يستطيع المغرب ترسيخ موقعه كقوة صاعدة إقليمياً ودولياً، في ظل اختلالات داخلية تمسّ الثقة والنجاعة؟

موقع استراتيجي… وفرصة تاريخية

يحتل المغرب موقعاً جيوسياسياً فريداً عند تقاطع ثلاث دوائر كبرى: أوروبا، وإفريقيا، والفضاء الأطلسي. وقد أتاح هذا الموقع للمملكة أدواراً متقدمة في قضايا الهجرة، والأمن الإقليمي، وجذب الاستثمارات، وتنويع الشراكات الدولية. غير أنّ تحويل هذه المزايا إلى قوة مستدامة يظل رهيناً بمتانة الجبهة الداخلية وفعالية المؤسسات.

بين النص الدستوري والممارسة

أقرّ الدستور المغربي 2011 جملة من المبادئ المؤطرة للحياة العامة، في مقدمتها: ربط المسؤولية بالمحاسبة، الحكامة الجيدة، المساواة وتكافؤ الفرص، وتخليق الحياة العامة. وهذه المقتضيات ذات طبيعة إلزامية، تُناط مسؤولية تفعيلها بكافة الفاعلين العموميين، كلٌّ في نطاق اختصاصه.

غير أنّ التقييم الموضوعي للممارسة يُظهر، بدرجات متفاوتة، وجود فجوة بين النص والتطبيق؛ حيث لا تزال آليات التقييم والمساءلة تحتاج إلى مزيد من الفعالية والانتظام، كما أن تقديم الحصيلة وربطها بمؤشرات قابلة للقياس لا يرقى دائماً إلى مستوى الانتظارات. ويظل هذا التقدير عاماً بطبيعته، ويستند إلى قراءات وتقارير عمومية متعددة، دون الجزم بوقائع تخصّ جهة بعينها.

الانتخابات: وظيفة دستورية تتجاوز الإجراء

تُعدّ الانتخابات، وفق الدستور، آلية أساسية لممارسة السيادة الشعبية وتداول المسؤولية. كما تمثل، في السياق الدولي، مؤشراً على الاستقرار والشرعية، وعنصراً جاذباً للاستثمار والشراكات.

وعليه، فإن تعزيز مصداقية العملية الانتخابية—من خلال توسيع المشاركة، وترسيخ الثقة، وضمان تكافؤ الفرص—لا يقتصر أثره على الداخل، بل يمتد إلى تموقع المغرب خارجياً.

التحدي الاقتصادي والاجتماعي

تُظهر التجربة أن معالجة الاختلالات الاجتماعية—وفي مقدمتها الفوارق المجالية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الأساسية—تُعدّ شرطاً لازماً لترسيخ الاستقرار وتعزيز الجاذبية الاقتصادية. كما أن تطوير بيئة تنافسية شفافة، قائمة على تكافؤ الفرص، من شأنه دعم الاستثمار والإبداع وتقوية النسيج المقاولاتي.

وفي هذا السياق، يُثار نقاش عمومي حول أنماط توزيع الامتيازات الاقتصادية وسبل تطويرها في اتجاه مزيد من الشفافية والنجاعة، بما ينسجم مع روح الدستور ومتطلبات التنمية.

البعد الجيوسياسي: الداخل أساس القوة

لا ينفصل الحضور الدولي للمغرب عن جودة أدائه الداخلي. فالدول الصاعدة تُقاس بقدرتها على تحويل القواعد القانونية والمؤسساتية إلى نتائج ملموسة:

إدارة عمومية فعّالة،

منظومة تعليمية مؤهِّلة،

قضاء ناجز ومستقل،

وسياسات عمومية قائمة على التقييم والمساءلة.

كلما تعزّزت هذه العناصر، ازدادت قدرة المغرب على تثبيت موقعه كشريك موثوق وفاعل إقليمي مؤثر.

نحو مقاربة متكاملة للإصلاح

في إطار الاختصاصات الدستورية والمؤسساتية القائمة، يمكن إبراز عدد من المداخل الإصلاحية ذات الطابع العام:

تعزيز آليات تقييم السياسات العمومية وربطها بالمحاسبة وفق الضوابط القانونية؛

دعم الشفافية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الموارد والفرص الاقتصادية؛

تشجيع تجديد النخب وتطوير العمل الحزبي بما يعزز التأطير والمشاركة؛

الاستثمار في الرأسمال البشري، خاصة في مجالي التعليم والتكوين؛

توطيد العدالة الاجتماعية كرافعة للاستقرار والتنمية.

خاتمة

يمتلك المغرب مقومات معتبرة ليكون قوة صاعدة في محيطه الإقليمي والدولي. غير أنّ ترجمة هذه الإمكانات إلى مكتسبات دائمة تظل رهينة بتعزيز الثقة الداخلية، وتفعيل المقتضيات الدستورية، وتطوير النجاعة المؤسساتية.

وبينما يظل النقاش العمومي حقاً مشروعاً وضرورة ديمقراطية، فإن الرهان الأساس يتمثل في تحويله إلى قوة اقتراحية تُسهم في تحسين الأداء العام، ضمن احترام الثوابت الدستورية والمؤسساتية للمملكة.

بهذا المعنى، يصبح إصلاح الداخل ليس فقط مطلباً مجتمعياً، بل أيضاً شرطاً لتعزيز المكانة الدولية للمغرب وترسيخ مساره التنموي.