فن وإعلام

خط تماس.. الكلفة الخفية للكلمة في عطب السرد الإعلامي حول القضية الوطنية

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)
ليست كل الأخطاء متساوية؛ في القضايا السيادية، الخطأ ليس زلة تحريرية تُصحَّح في عدد الغد، بل إشارة قابلة للاقتطاع، تُعاد صياغتها خارج سياقها، وتُستثمر ضد البلد. لهذا، فإن جزءاً من التغطية الإعلامية لملف الصحراء في المغرب لا يُربك المتلقي فقط، بل يخلق كلفة سياسية قابلة للقياس.

المشكل يبدأ من خلط منهجي بين الخبر والتأويل. تُنقل واقعة جزئية: تصريح، تسريب، أو قراءة ثانوية بصيغة تقريرية توحي بالحسم، فيُصنع من الهامشي مركز، ومن المؤقت نهائي. هنا يفقد الخبر وظيفته كإضاءة، ويتحول إلى مُنتِج للالتباس. وعندما تتراكم هذه المواد، تتشكل سردية متقلبة تُضعف ثقة الجمهور وتشوش على ترتيب الأولويات.

ثم يأتي الخلل الأعمق: "المصطلح"، وما أدراك ما المصطلح في هذا الملف بالذات. الكلمة ليست حيادية؛ هي وعاء قانوني وسياسي. استعمال مفردة ملتبسة أو مستوردة من قاموس صيغ في سياق مغاير قد يعيد دون قصد توصيفات لا تخدم الموقف المغربي. ليست المسألة اختلاف رأي، بل انزلاق دلالي يمكن أن يُقتطع ويُقدم كـ "مرجع" صادر من الداخل.

وهناك خلل أسوأ هو إسقاط منطق العاجل على مسار تراكمي. تُدار الدبلوماسية بالزمن الطويل: اختبار، تراكم، وتثبيت. بينما تُكتب بعض التغطيات بمنطق النتيجة الفورية: ربح/خسارة، تقدم/تراجع. هذا القالب السريع يُنتج أحكاماً متسرعة، ويختزل التعقيد في ثنائيات مريحة لكنها مضللة. النتيجة: قراءة لا ترى إلا السطح، وتفوتها حركة العمق.

يُفاقم ذلك تهجين مستمر بين الخبر والرأي. لغة تقريرية تُمرِّر أحكاماً، أو رأي يُقدَّم كخبر. حين تضيع الحدود، تضيع معها الثقة، وتصبح المادة قابلة لإساءة القراءة خارج سياقها الأصلي. وفي قضايا دولية، لا يكفي مصدر واحد ولا صياغة واحدة؛ الحد الأدنى المهني يقتضي تقاطع المصادر، وفهماً لمستويات التصريح: ما هو مُلزِم، وما هو رأي، وما هو مجرد اختبار للمواقف.

الأخطر أن هذه الأخطاء لا تبقى داخل الحدود؛ تُقتطع جملة، تُترجم، تُعاد صياغتها، ثم تعود إلينا كدليل "من الداخل". عندها يتحول الخطأ من حادث مهني إلى مادة سياسية. والمطلوب ليس تقييد الصحافة ولا تحويلها إلى صدى للدبلوماسية، المطلوب هو استعادة الحد الأدنى من الانضباط المهني حين يتعلق الأمر بملف عالي الحساسية.

تحرير يميز بصرامة بين الخبر والرأي، معجم مصطلحي واضح ومُحدَّث، بروتوكول تحقق متعدد المصادر، وتكوين متخصص في القانون الدولي وآليات الأمم المتحدة. هذه ليست كماليات، بل شروط سلامة. فحرية التعبير لا تتعارض مع دقة التعبير، والاستقلالية لا تبرر الفوضى الدلالية. في هذا الملف تحديدا، المهنية ليست خياراً تجميلياً، بل خط دفاع أول.

علينا كصحفيين أن نطرح سؤالاً يسبق النشر: هل يضيف هذا النص وضوحاً قابلاً للتدقيق، أم يضيف ضجيجاً قابلاً للاقتطاع؟ لهذا، قبل النشر، يجب أن نعي أن الكلمة في هذا الملف ليست تعليقاً… بل تموضع؛ إما أن تُحصن الموقع التفاوضي للدولة، أو تُقدم عنه تنازلاً مجانياً.