وهنا، أريد أن أوضِّح للقارئ، أنني لا أتحدَّثُ عن أنظِمة الحكم المستبِدَّة كالصين la Chine وكوريا الشمالية la Corée du Nord وفنيزويلا Venezuela وسوريا سابقا… بل أتحدَّث عن حكومتنا الحالية التي يرأسها السيد عزيز أخنوش المُنتمي لحزب "التَّجمٌّع الوطني للأحرار".
وهنا دعوني أُخْضِعُ تسمِيةَ هذا الحزب للتحليل والنقد. المشكِل في هذه التسمية ليس في كلمة "التَّجمٌّع". المشكل يكمن في كلمتي "الوطني" و"الأحرار". فإذا كان التَّجمُّعُ وطنيا، فهذا معناه أن الحزب يضمُّ جميع أحرار البلاد. في هذه الحالة، ما هو موقف الحزب إزاء الناس، مثقفين وغير مثقفين، الذين لهم شعارٌ واحد، وهو العزوف عن السياسة؟ بالنسبة للحزب، هؤلاء الناس ليسوا أحراراً، وبالتالي، لا يمكن أن يضمَّهم الحزب إلى صفه. أما كلمة "أحرار"، فاستِعمالُها كجزء من تسمية الحزب غير صائبة. لماذا؟
لأنه، عندما نقول "إن فلانا حرٌّ"، المقصود هو أن هذا الفلانَ حرٌّ بالنسبة لأشياء كثيرة. ومن ضمن هذه الأشياء الكثيرة، أنه حرَّ في تفكيره، أو إن شئنا، كل شيء صادرٍ عن هذا الفلان، فهو نتيجة لهذا التفكير الحر. وكذلك، عندما نقول "إن فلانا حرٌّ"، فهذا يعني أنه لا يخضع لضغطٍ مهما كان مصدرُه أو لانتِماءات أخرى أو لأشياء مفروضة عليه من جهةٍ من الجهات. وللتذكير الإنسانُ الحرُّ المُطلقُ غير موجود طِبقاً للمقولة الشهيرة "تنتهي حرية الفرد عندما تبتدئ حرية الآخر".
إذن، تسمية الحزب غير صائبة لأن حريةَ الفرد مرتبطةٌ بحرية الآخرين، وكما سبق الذكر، الإنسان الحر المطلق غير موجود. لكن حزبَ "التجمع الوطني للأحرار" مُتشبِّثٌ بهذه التسمية، وكأنه حرٌّ طليقٌ يفكِّر كما يريد وكما يحلو له ذلك. التَّجربة بيَّنت وتُبيِّن بأنه، فعلاً، حر طليق يفكِّر كما يريد وكما يحلو له ذلك. والغريب في الأمر، أن حزبَ "الأصالة والمعاصرة" وحزبَ "الاستقلال" انخرطا في نفس النهج، أي دعَّمانِه ويُدعِّمانِه في تدبير الشأن العام بنفس أسلوب التفكير المطلق. فماذا بيَّنت وتبيِّن التَّجربة.
التَّجربة بيَّنت وتبيِّن بأن رئاسةَ الحكومة وحلفاءَها الاثنين لا يعيرون أي اهتمام لوجود شعبٍ اسمُه "الشعب المغربي". بمعنى أن كلَّ ما يقومان به البرلمان والحكومة، يتمُّ وكأن هذا الشعبَ غير موجود. وبعبارة أخرى، العمل البرلماني والحكومي يتِم خارج إرادة وتطلُّعات الشعب المغربي. فما هي الدلائل التي تبيِّن بأن الأغلبية البرلمانية و وليدتَها الحكومية تعملان خارجَ إرادة الشعب المغربي؟
الدلائل كثيرة، سأكتفي بذكر البعض منها :
1.لم يسبق للحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، أن عرفت تضخُّماً في غلاء المعيشة، مثل الذي حدثَ ويحدث في ظل الحكومة الحالية. حكومات كثيرة، وعلى رأسِها، الحكومات الأوروبية الغربية، لجأت إلى تخفيفِ الضغط على جيوب المواطنين، وذلك، إما بتسقيف هامش الربح على المحروقات التي لها دور في تضخُّم غلاء المعيشة، وإما بخفض الضرائب المفروضة على هذه المحروقات.
الحكومة الحالية لم تقم بأي إجراءٍ من هذا القبيل. بل تركت الشعبَ يتخبَّط في مشاكله وحده، ضاربةً عرضَ الحائط ما عليها من واجبات وما له، أي الشعب المغربي، من حقوق يضمنُها دستور البلاد.
2.ارتفاع نسبة البطالة التي بلغت رقماً غير مسبوق في ظل الحكومات السابقة التي تعاقبت على تدبير الشأن العام. في ظل الحكومة الحالية، بلغت هذه النسبةُ أكثر من 13%، علما أن ناقوسَ الخطر يبدأ في الرنين عندما تفوق هذه النسبة 10 أو 12%. وللتذكير، حزب التَّجمُّع الوطني للأحرار وعد الشعب المغربي، أثناء حملاته الانتخابية، بأنه يستطيع أن يُحدِثَ مليون منصب شغل، علما أن هذا المليون منصب يتناقض مع ارتفاع نسبة البطالة بكيفيةٍ مُقلِقة.
أما إذا أردنا الدخولَ في تفاصيل هذا الرقم الذي يفوق، بكيفيةٍ غير عادية، 13%، فسنجد أن السياسات العمومية، وخصوصا، تلك التي تسعى إلى خلق مناصب الشغل، كلها باءت بالفشل. ونفس التفاصيل تفيد بأن الفئةَ التي تطالها البطالة تفوق المليون ونصف المليون نَسَمة. وهذا المليون والنصف، ضحاياه، هم الشباب الذين بلغت نسبةُ بطالتهم أكثر من 37%. ونسبة البطالة تختلف من مكان إلى آخر ومن فئةٍ إلى أخرى. مثلا، في الوسط الحضري، بلغت النسبةُ 16,4%، وفي الوسط القروي 6, 6% وبالنسبة لحاملي الشهادات 19,1% وللنساء 20,5%... وكل هذه الأرقام مصدَرُها هو المندوبية السامية للتخطيط le Haut Commissariat au Plan HCP، الذي هو مؤسسة دستورية.
وفي ختام هذه المقالة، ما تمكِن الإشارةُ إليه، هو أن السياسة التي نهجتها وتنهجُها الحكومة الحالية فشلت في أهم عنصُرين يحرِّكان عجلةَ الاقتصاد الوطني. إنهما القدرة الشرائية للمواطنين pouvoir d'achat des citoyens الذين يُشكِّلون ما يُسمى الطبقة الوسطى la classe moyenne. والمتعارف عليه، في جميع بلدان العالم، هو أن الكبقة الوسطى هي التي تحرِّك عجلةَ الاقتصاد، عن طريق الاستهلاك. ويُضافُ إلى القدرة الشرائية، انتشار البطالة le niveau élevé ، chômage، أو بعبارةٍ أخرى، عدم قدرة الحكومة الحالية على خلقِ مناصب الشغل.
والعالم كلُّه يعرف، عن تجربة، أن خلقَ مناصب الشغل يحرك النمو الاقتصادي la croissance économique، والنمو الاقتصادي يخلق الثروة، المجسَّدة في حجم الناتج الداخلي الخام le Produit Intérieur Brut PIB. أما القدرة الشرائية، فهي ما يستطيع الدخل الفردي le revenu individuel أو الأجور les salaires الحصولَ عليه من خيرات biens وخدمات services. ولهذا، الحكومة الحالية كانت ولا تزال مُطالبةً من إحداث توازن بين القدرة الشرائية والدخل الفردي أو الأجور. ومرَّة أخرى، فشلت الحكومة الحابية في إيجادِ توازنٍ بين هذين العُنصرين. وإيجاد هذا التوازن لا تمطِره السماء. بل يلزمُه إرادةً وعملاً سياسيين قويين.
إذا قلتُ لكم إن الحكومة الحالية هي "أسوأ حكومة في تاريخ المغرب المعاصر"، فهذا لا يعني أن الحكومات السابقة، وعددُها 33 حكومة منذ أن نال المغربُ استقلالَه، علما أن حكومةَ عزيز أخنوش، الحالية، هي الحكومة الثالثة والثلاثون. لقد تعرَّضت حكومات سابقة لانتقادات لاذعة des critiques acerbes ou virulentes، ومنها الحكومتان التي كان يرأسهما حزب العدالة والتنمية. لكن الانتقادات الموجهة للحكومة الحالية تُعتَبر واسعة النِّطاق. بمعنى أن هذه الانتقادات لم تأتي فقط من الشعب المغربي، رجالاً ونساءً، بل أتت، كذلك، من أحزاب سياسية خارجَ المعارضة، ومن النقابات، ومن المجتمع المدني، وعلى رأسه جيل Z، ومن الإعلام، ومن الملاحظين المحليين والدوليين، وعلى رأسِهم transparency international و Human Rights…






