رياضة

ما الذي تريده السينغال؟ وما حقيقة الدور الجزائري؟

مولاي التهامي بهطاط

سبق لي في تدوينتين سابقتين ان اشرت إلى ما يلي:

- أن "النزاع" بين المغرب والسينغال تجاوز "كرة القدم" إلى امور اخرى، عنوانها "ابتزاز" لم تتضح أسبابه وأهدافه، وقد جاء تصريح الوزير الأول السينغالي عثمان سونغو، عن 55 دولة أفريقية ليؤكد هذا التحليل.

فالأمر أكبر من زلة لسان، وأكبر أيضا من أن يتم تمريره تحت عنوان "عضوية" الجمهورية الوهمية في الاتحاد الإفريقي "السياسي" وليس "الكروي".

- أن الخطاب الشعبوي، مضاره اكثر من منافعه، لأن النزول من "الشجرة" اصعب بكثير من الصعود فوقها، خاصة حين تكون الشعبوية مبنية على الفراغ ومتمسكة بحبل "قصير".

وهو ما تأكد ايضا في الأيام القليلة الماضية بعدما انقلبت معظم وسائل الإعلام، الفرنسية والإسبانية تحديدا، على السينغال، بعد اسابيع من التماهي الأعمى، الذي لا يجد تفسيره فقط في حملة "العلاقات العامة" التي قادتها وكالة "Image 7"، والتي يروج أن الجارة الشرقية هي من مولتها، بل إن أحد أهم الاسباب يتمثل في أنه بانقشاع الضجيج الإعلامي المفتعل، بدأت تتكشف بعض الحقائق "القانونية" التي لا يمكن التغطية أو التعتيم عليها، خاصة بعد خروج بعض مسؤولي الكاف عن صمتهم.

وإلى ما تقدم، هناك مستجدات لابد من اخذها بعين الاعتبار:

منها أن سحب دولة مالي اعترافها بالجمهورية الوهمية، هو متغير بالغ الأهمية، خاصة وأننا نتحدث عن دولة لها موقع استراتيجي في الساحل وغرب إفريقيا.

إن هذا المستجد، سيؤثر حتما على محاولات الابتزاز السينغالي المتكررة، خاصة وأننا أصبحنا أمام عد عكسي لمشروع الانفصال فضلا عن الموقفين المصري والكيني، وانحسار عدد الدول الإفريقية المعترفة بجمهورية تيندوف.

ومنها أن الصراع بين الرئيس السينغالي ووزيره الأول، خرج إلى العلن، حيث نقلت الصحافة الفرنسية أن كلا منهما يحاول بناء تحالف انتخابي مستقل استشرافا لانتخابات 2029، وهذا أمر متوقع، لأن العقلية الإفريقية تفضل الحلول الصفرية على التوافق السياسي والتحالفات التي تتطلب تنازلات متبادلة.

والأهم هنا، هو أن "فض الشراكة" السياسية المرحلية بين الرجلين، سيفتح المجال أمام تدخل أطراف أجنبية، كما سيضاعف من منسوب الخطاب الشعبوي.

ومنها ايضا، أن النظام العالمي الجديد الذي يولد اليوم ولادة قيصرية في منطقة الخليج، سيعيد ترتيب الدول الإفريقية حسب قدراتها وإمكانياتها، ولكن ايضا حسب مستوى استقرارها ومصداقيتها وموثوقيتها وانفتاحها ومرونتها.

وقد أشرت سابقا -كنموذج- إلى حرب "الموانيء" بين أمريكا والصين بالقارة الإفريقية بما لا حاجة لتكراره هنا.

ومنها ايضا، أن كرة القدم كرياضة وكـ"لعبة" انتهت إلى الأبد، بل لقد تم تجاوزها حتى كصناعة وتجارة وسوق تدر الملايير سنويا، لتصبح مظهرا من مظاهر القوة السياسية والحضور الديبلوماسي على المستوى الدولي، بما يطوي صفحة كونها مجرد أداة من أدوات القوة الناعمة.

وهذا ما يبدو أن بعض الدول الإفريقية لم تستوعبه لحد الساعة، بدليل صبيانيات السينغال، دولة وجامعة كرة، خلال وبعد كان 25.

ومنها أيضا، ما يروج عن "بصمة" جزائرية في "الدراما" التي عرفتها مباراة النهائي والتي مازالت تداعياتها متواصلة لحد الآن.

وهذا أمر غير مستبعد -بغض النظر عن التفسير التآمري للأحداث والوقائع- خاصة في ظل ما يروج من تسريبات عن وجود تسجيلات تؤكد وجود "توجيهات" و"تعليمات" من خارج الملعب، وربما من خارج المغرب أصلا، لإفساد العرس الإفريقي الاستثنائي.

أما المجهول الأكبر في هذا التطورات، فيتعلق بمدى تأثير هذا "الفاصل" على العلاقات الثنائية بين المغرب والسينغال.

فمن السذاجة الاعتقاد بأنها صفحة ستطوى، وأن الروابط الروحية والسياسية والتجارية والتاريخية ستظل على حالها.

فربما عكس ما يتوقع البعض، قد لا يكون حكم "الطاس" -خاصة إذا أنصف المغرب- نقطة النهاية لهذا المشهد الغريب وغير المسبوق، بل ربما يتحول إلى لحظة انفجار توفرت كثير من عناصرها الأساسية: خطاب شعبوي بلا أفق، يجيش العواطف ويثير الغرائز الشوفينية، وفشل في ترجمة الوعود الانتخابية وتغيير المعيش اليومي المتردي للمواطن، فضلا عن متغيرات دولية متسارعة تعيد رسم خرائط النفوذ في العالم، أضف إلى ذلك قدرا لا يستهان به من غياب الرشد السياسي وانعدام الرؤية الاستراتيجية، ناهيك عن الارتهان لأجندات خارجية.

وللحديث بقية..