مجتمع وحوداث

المجتمع الحر ليس فقط مجتمعًا يصوّت بل مجتمع يستطيع أفراده أن يتبادلوا الحجج

سعيد ناشد (باحث)

بعيدًا عن المزاج الشعبوي الذي جعل هابرماس قديسًا لمجرّد اعتذاره عن جائزة الشيخ زايد، ثم حوّله إلى شيطان لمجرد توقيع بيان إدانة عملية 7 أكتوبر التي انتهت إلى تغيير جيوستراتيجي في المنطقة... فإن الإشكالية الفلسفية التي اشتغل عليها هابرماس طيلة حياته، بالغة الأهمية: لقد دافع، منذ ستينيات القرن الماضي، عن فكرة أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي قبل ذلك نقاش عقلاني بين المواطنين. فالمجتمع الحر ليس فقط مجتمعًا يصوّت، بل مجتمع يستطيع أفراده أن يتبادلوا الحجج، وأن يسمع بعضهم بعضًا، وأن يشكّلوا رأيًا عامًا عبر الحوار. وهي الإشكالية التي رجع إليها في السنوات الأخيرة، حيث ما يقلقه اليوم هو أن هذا الشرط الأساسي للديمقراطية قد يتآكل بفعل الثورة الرقمية.

فالفضاء العمومي، الذي يفترض أن يكون ساحة للنقاش المشترك، أخذ يتفتت إلى جزر صغيرة من الآراء المتشابهة. كل جماعة تسمع صدى نفسها، وكل فرد يعيش داخل فقاعة معلوماتية لا تختبر قناعاته بل تؤكدها.

في عالم كهذا، لا يختفي الكلام، بل يختفي الإنصات. 

ماذا أقول الآن؟ بصرف النظر عن حجم الضجيج الإعلامي هنا أو هناك، فإشكالية هابرماس سترافق الفلسفة السياسية طيلة القرن الواحد والعشرين. وربما أبعد من ذلك.