رأي

المصطفى قاسمي: منصّة رمضان.. حين تتحول الأعمال الخفية إلى شهرة في السماء

في عصرٍ تتسابق فيه الأضواء وتتزاحم المنصات الرقمية، ليغدو الفضاء الافتراضي مسرحًا تتجلى فيه رغبة الإنسان العميقة في الظهور والتأثير، نلحظ سعيًا حثيثًا نحو بناء الصورة المثالية أمام الجمهور. يتجلى ذلك في انتقاء أبهى الحلل، وصياغة أرق الكلمات، واختيار أمثل الأوقات للنشر، كل ذلك بهدف ترك بصمة خالدة في النفوس وتحقيق انتشار واسع يلامس شغاف القلوب.

غير أن هذه الظاهرة، على ما فيها من بريق وجاذبية، تكشف عن مفارقة جوهرية في وعي الإنسان المعاصر؛ فبينما ينشغل الكثيرون بتشييد صروح مكانتهم في عيون البشر، يغفلون عن بناء صرح أسمى وأبقى، ألا وهو مكانتهم عند الخالق سبحانه وتعالى.

إن الشهرة التي يمنحها البشر، وإن بدت واسعة الأفق، إلا أنها تظل محدودة الأمد، قابلة للزوال بتبدل الاهتمامات أو تغير الأذواق. أما الشهرة الحقيقية، فهي تلك التي تتجلى في عليين قبل أن تتجذر في الأرض. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الأزلية، مبينًا طبيعة الحياة الدنيا الزائلة، حيث يقول الحق تبارك وتعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ [الحديد: 20]

فكل مظاهر التفاخر والظهور، مهما بلغت من رونق، تبقى محدودة الأثر وقصيرة العمر. بينما ما يختزنه المرء عند الله هو الأبقى والأعظم، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]

من هذا المنطلق، يتجلى المعنى العميق لشهر رمضان المبارك؛ فهو ليس مجرد موسم للعبادة والتقرب، بل هو منصة إيمانية عظمى، تُعرض فيها أعمال العباد وخواطر قلوبهم أمام رب العالمين. فإذا كانت منصات البشر تُعنى بعرض الصور والكلمات أمام الناس، فإن منصة رمضان ترتكز على عرض القلوب والأعمال أمام الله.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على عظيم مكانة هذا الشهر، مبشرًا الأمة بقوله:

“إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين” [1]

هذا الإعلان النبوي يحمل في طياته دلالة عميقة: أن رمضان هو موسم استثنائي تتضاعف فيه فرص القرب من الله، وتتفتح فيه أبواب الرحمة والمغفرة على مصراعيها. وكما قال رسول الله ﷺ:

“من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه” [1]

غير أن أسمى ما يمكن أن يناله الإنسان في هذا الشهر الفضيل ليس مجرد المغفرة، بل هو محبة الله له. وقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن سر هذه المحبة في حديث عظيم يصور كيف يصنع الله للعبد المؤمن شهرة في السماء قبل الأرض، فقال:

“إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض” [1]

إنه مشهد مهيب من مشاهد التكريم الإلهي؛ فالله سبحانه يذكر اسم العبد في الملأ الأعلى، ثم ينادي جبريل، ثم تتردد محبته بين ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. عندها، يصبح ذلك الإنسان مذكورًا في السماء قبل أن يعرفه أهل الأرض. وأي شهرة أعظم من أن يُذكر اسمك في الملأ الأعلى؟

ولهذا، فإن المؤمن العاقل، حين يرى الناس يتسابقون إلى الظهور بأبهى الصور أمام البشر، ينبغي له أن يتوقف متسائلاً:

لماذا لا أحرص على أن أظهر بأجمل عمل أمام الله؟

فكما يحرص الإنسان على اختيار أجمل ثيابه للناس، ينبغي أن يختار أجمل أعماله لله. وكما ينتقي أرق كلماته ليرضي الجمهور، ينبغي أن يختار أصدق دعائه وخشوعه بين يدي الله. وكما يبحث عن أفضل الأوقات للنشر في وسائل التواصل، ينبغي أن يبحث عن أفضل أوقات القرب من الله، في السحر، وفي لحظات الإفطار، وفي قيام الليل.

إن رمضان ليس مجرد أيام صيام تمر، بل هو فرصة إلهية قد لا تتكرر. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية اغتنام الفرص في الحياة بقوله:

“اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك…” [2]

وفي رمضان خصوصًا، تتجلى ليلة عظيمة تمثل قمة هذه الفرصة الروحية، وهي ليلة القدر. قال الله تعالى:

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]

أي أن عبادة ليلة واحدة فيها تعادل عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة. فأي فرصة أعظم من هذه؟

ولهذا، فإن المؤمن الحقيقي لا يضيع رمضان في الغفلة، بل يحوله إلى منصة إيمانية كبرى يعرض فيها أفضل ما عنده من الطاعات. فيصلي، ويتصدق، ويقرأ القرآن، ويصل رحمه، ويحسن إلى الناس، ويجاهد نفسه حتى يكون من أهل القبول.

فإذا صدق العبد مع الله، قد يحدث له أعظم تحول في حياته: أن يصبح محبوبًا عند الله. وحين يحب الله عبدًا، يفتح له أبواب الخير في الدنيا والآخرة، ويجعل له القبول بين الناس. وهكذا تتحقق الشهرة الحقيقية التي لا تزول، إنها شهرة تبدأ في السماء وتنتهي في الجنة.

فيا أيها المؤمن، إذا كان الناس يتسابقون اليوم إلى الشهرة في الأرض، فاجعل همّك أن تنال شهرة السماء. فرب عمل خفي في رمضان، ركعتان في الليل، أو دمعة صادقة في الدعاء، قد ترفع صاحبها إلى مقام عظيم عند الله.

وما أعظمها من شهرة، وما أكرمه من مقام، وما أجملها من نهاية: جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.